قَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ أَنَّ الجَنَّةَ: هِيَ هُنَا المَعْرِفَةُ. وَأَيُّ مَنْ تَبَصَّرَ بِهَذَا القَوْلِ عَلِمَ أَنَّهُ رَمْزٌ فِي طَيِّهِ كَنْزٌ، وَهَذَا تَأْدِيبٌ لَنَا وَتَعْلِيمٌ، وَتَنْبِيهٌ وَتَفْهِيمٌ بِمَا أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَنْ لَهُ عِلْمٌ، أَنَّ آدَمَ: هُوَ اسْمُ اللهِ الأَعْظَمُ وَهُوَ لَا يَقَعُ تَحْتَ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَإِنَّمَا الأَمْرُ وَالنَّهْيُ فِينَا لَائِقٌ وَعَلَيْنَا عَائِدٌ، لِأَنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِمَعْنًى
كَمَا قَالَ مَوْلَانَا جَعْفَر الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ : إِيَّاكِ أَعْنِي وَاسْمَعِي يَا جَارَةُ، وَالشَّجَرَةُ الَّتِي نَهَانَا عَنْهَا هِيَ وَلَايَةُ الأَضْدَادِ، وَالأَكْلُ مِنْهَا: هُوَ المَيْلُ إِلَيْهِمْ وَتَحْسِينُ أُمُورِهِمْ وَالرِّضَا بِعُلُومِهِمْ وَزَخَارِفِهِمْ، وَأَيُّ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ تَنَاقَصَتْ عَنْهُ المَعْرِفَةُ بِقَدْرِ المَيْلِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا هُوَ الهُبُوطُ مِنَ الجَنَّةِ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "المِصْرِيَّةِ": هُوَ خِطَابُ السَّيِّدِ الِاسْمِ لِلْمُنَبَّأِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. وَالزَّوْجَةُ: هِيَ الدَّعْوَةُ العَالِيَةُ وَالجَنَّةُ: هِيَ المَعْرِفَةُ الدَّائِمَةُ وَالنِّعْمَةُ السَّابِقَةُ، وَهِيَ مَعْرِفَةُ المِيمِ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا فَقَدْ سَكَنَ الجَنَّةَ.
وَقَالَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ فِي كِتَابِ "الأُسُوس": الشَّجَرَةُ: الَّتِي قَالَ اللهُ تَعَالَى لِآدَمَ لَا تَقْرَبَهَا هِيَ الكُفْرُ، قَالَ تَعَالَى لِآدَمَ: لَا تَقْرَبَنَّ الكُفْرَ، الجَنَّةُ: هِيَ المَعْرِفَةُ، أَيِ اكْتَسِبَا مِنَ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ مَا قَدَرْتُمَا عَلَيْهِ، وَلَا تَقْرَبَا الكُفْرَ، لِأَنَّ الأَكْلَ: هُوَ تَحْصِيلُ العِلْمِ.




