قَالَ أَبُو الطَّاهِرِ سَابُور قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِهِ "الطَّالِقَانِيَّةِ": عَلِمْتَ أَنَّ البَعُوضَةَ عَلَى قِلَّةِ وَزْنِهَا، لَمْ تُخْلَقْ إِلَّا لِلْمَثَلِ المَضْرُوبِ بِهَا.
قَالَ السَّيِّدُ أَسَد عَلِي عَاصِي فِي رِسَالَتِهِ "تَصْنِيفِ المَعَانِي": فَالبَعُوضَةُ: هِيَ الصُّورَةُ بَشَرِيَّةُ، الَّتِي تَبَعَّضَتْ كَأَجْنَاسِ البَشَرِ لِلْبَشَرِ، فَمَا فَوْقَهَا: الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ، وَالفَاسِقُونَ: هُمُ النَّاكِرُونَ لَهَا.
أَقُولُ: إِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ ضَرَبَ هَذَا المَثَلَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا، الَّذِينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَنَسُوا الآخِرَةَ، مَعَ أَنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ نَعِيمٍ، حَقِيرَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى نَعِيمِ الآخِرَةِ فَلَا تَتَمَسَّكُوا بِالدُّنْيَا لِأَنَّهَا تَارِكَةٌ لَكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ لَا تُحِبُّونَ تَرْكَهَا فَعِزُّهَا وَفَخْرُهَا إِلَى انْقِطَاعٍ، وَزِينَتُهَا وَنَعِيمُهَا إِلَى زَوَالٍ، وَهَذَا هُوَ الحَقُّ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِأَنَّ نَعِيمَ الآخِرَةِ دَائِمٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَزِينَتُهَا بَاقِيَةٌ حَتَّى يَشَاءَ اللهُ، فَالمُؤْمِنُونَ آمَنُوا وَصَدَّقُوا وَتَرَكُوا الدُّنْيَا وَنَعِيمَهَا وَزِينَتَهَا وَفَخْرَهَا وَاسْتَعَاضُوا عَنْهَا بِالآخِرَةِ فَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالكَافِرُونَ جَحَدُوا الآخِرَةَ وَأَنْكَرُوا فَلَبِثُوا فِي الأَرْضِ فَهُمْ فِيهَا مُقِيمُونَ وَهُمْ فِي العَذَابِ دَائِمُونَ، لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ.




