وَاسْتِفْتَاحَ القُرْآنِ بِهَذَا المَعْنَى رَمْزاً حَيْثُ نَطَقَ بِالأَلِفِ أَوَّلاً لِأَنَّهُ البِدَايَةُ، وَبِاللَّامِ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ النِّهَايَةُ، وَالمِيمِ لِأَنَّهُ نِهَايَةُ نُطْقِ حَرْفِ اللَّامِ العَدَدِيِّ، فَنِهَايَةُ نُطْقِهِ الحَرْفِيِّ فِي اللَّامِ وَالفَاءِ وَعَدَدُهَا مِائَةٌ وَعَشَرَةٌ.
فَقَدْ بَدَأَ بِالحَرْفِ أَوَّلاً دَلَالَةً عَلَى الوُجُودِ، وَأَكَّدَ أَنَّ الأَصْلَ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: لَا رَيْبَ فِيهِ فَإِنَّهُ هُدًى: أَيْ ظُهُورٌ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ: وَهُوَ ذَاتُهُ تَعَالَى الَّتِي لَا يَجْمَعُهَا الكُلُّ وَلَا يُفَرِّقُهَا البَعْضُ، وَسَمَّاهَا الغَيْبَ: وَهُوَ لَفْظٌ يُفِيدُ عَدَمَ الإِدْرَاكِ، لَا عَدَمَ الوُجُودِ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ: أَيْ يُثْبِتُونَ أَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَيْثُ هُوَ، وَالمَرْئِيُّ مِنْ حَيْثُ هُمْ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ: مِنْ عِلْمِ الظَّاهِرِ فَيُحَدِّثُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً وَقِيلَ يُنَزِّهُونَهُ عَنْ جَمِيعِ النَّظَرَاتِ الحِسِّيَّةِ المَحْدُودَةِ الَّتِي رَأَوْهُ بِهَا، فَسُبْحَانَ الَّذِي أَلْهَمَ العُقُولَ مَعْرِفَتَهُ بِدُونِ إِدْرَاكٍ وَأَرَى الأَبْصَارَ وُجُودَهُ مِنْ غَيْرِ حَرَاكٍ.
قَالَ تَعَالَى: ﴿ ٤﴾:
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ البَغْدَادِيُّ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "المِصْرِيَّةِ":




