عِرْفَانُ الوُجُودِ أَعْلَاهُ وَأَدْنَاهُ، وَلَمْ يُدَاخِلْهُ شَكٌّ مِمَّا وَعَاهُ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَكَانَ مِمَّنْ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ حَبِيب عِيد الصَّالِح قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي رِسَالَتِهِ "الجَوْهَرَةِ الدِّينِيَّةِ": فِي مَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ الثَّلَاثِ: ﴿الم﴾. إِذَا هَجَّيْنَا أَلِفٌ: يَظْهَرُ اللَّامُ عَنْهُ أَوَّلاً وَإِذَا هَجَّيْنَا اللَّامَ ظَهَرَ الأَلِفُ عَنْهُ أَوَّلاً، فَبِاجْتِمَاعِهِمَا يَظْهَرُ أَلِفٌ مَلْفُوفٌ وَلَامٌ مَعْطُوفٌ، وَإِذَا تَأَمَّلْتَ حَقِيقَةَ صُورَتِهِمَا وَجَدْتَهَا غَامِضَةً تُشِيرُ إِلَى حَرْفَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَمْتَدُّ عَنِ الآخَرِ، وَلَا يُدْرَى أَيُّهُمَا الأَسْبَقُ. وَالهَاءُ الصَّامِتُ بَيْنَهُمَا لَا يَقَعُ عَلَيْهِ النُّطْقُ مَعَهُمَا. وَقَدْ تَلَاهُمَا حَرْفُ المِيمِ لِتَتْمِيمِ السِّرِّ، لِأَنَّ المِيمَ فِي آخِرِ هِجَاءِ لَامٍ قَبْلَهَا وَجَعَلَهُ آخِراً لِسَبَبٍ، وَهُوَ أَنَّ أَلِفاً فِيهِ اللَّامُ وَالفَاءُ وَلَوْ جَمَعْنَاهُمَا لَكَانَ النَّاتِجُ مِائَةً وَعَشَرَةً.
وَلِذَلِكَ جَعَلَ المِيمَ آخِراً لِلدَّلَالَةِ عَلَى الوُجُودِ الأَرْضِيِّ، كَمَا أَنَّ الأَلِفَ وَاللَّامَ: دَلِيلٌ عَلَى الوُجُودِ السَّمَاوِيِّ، وَاجْتِمَاعُ هَذِهِ الحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي أَوَّلِ الآيَةِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ الوُجُودَ السَّمَاوِيَّ هُوَ الوُجُودُ الأَرْضِيُّ وَلَا فَرْقَ إِلَّا أَنَّ الوُجُودَ السَّمَاوِيَّ أَوَّلاً وَالأَرْضِيَّ آخِراً وَفِي الحَقِيقَةِ هُوَ هُوَ، وَلِذَلِكَ جَمَعَتْ هَذِهِ الحُرُوفُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ تَنْتَهِي بِالمِيمِ إِشَارَةً إِلَى تَأَخُّرِ الظُّهُورِ الأَرْضِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ. فَتَأَمَّلْ هَذَا السِّرَّ اللَّطِيفَ بِهَذِهِ الحُرُوفِ




