وَالمَعْبُودُ سِوَاهُ، لِكَوْنِ القَدِيمِ لَا يَظْهَرُ بِالمُحْدَثِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ ظُهُورُهُ بِالذَّاتِ لِيُعْرَفَ فَيُعْبَدَ.
وَلَمْ يَجُزْ فِي الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ ظُهُورُهُ بِذَاتِهِ كَشْفاً، لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهَا شَيْءٌ مِنَ المَوْجُودَاتِ، وَبِمَا أَنَّهُ قَدْ وَجَبَ ظُهُورُ المَعْنَى تَعَالَى بِذَاتِهِ لِيُعْبَدَ وَحْدَهُ بِلَا شَرِيكٍ، إِذْ تَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ عَنْ خَلْقِهِ كَمَا يَسْتَحِيلُ عَدَمُهُ، فَقَدْ وَجَبَ فِي الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ أَنْ يَظْهَرَ لِكُلِّ جِنْسٍ كَهُمْ، تَأْنِيساً لِلْمُؤْمِنِينَ وَتَلْبِيساً عَلَى الجَاحِدِينَ المُنْكِرِينَ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ القَادِرُ عَلَى الإِطْلَاقِ، فَلَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ مِنَ الأَشْيَاءِ، وَهُوَ مَعَ كُلِّ شَيْءٍ بِصُورَةِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَلَا قَيَّدَتْهُ صُورَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي اثْنَانِ مِنْهُمْ فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَا فِي نَظَرٍ، وَلَا فِي عِلْمٍ.
فَتَأَمَّلْ تَعَدُّدَ ذَوَاتِهِمْ وَتَفَاوُتَ مَرَاتِبِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ وَتَفَاضُلَ عُلُومِهِمْ وَنَظَرَاتِهِمْ لِتَعْلَمَ يَقِيناً: أَنَّ اخْتِلَافَ الصِّفَاتِ، هِيَ مِنْ حَيْثُ اخْتِلَافِ مَرَاتِبِ المَخْلُوقِينَ بِالنَّظَرَاتِ لَا مِنْ حَيْثُ ذَاتِ البَارِي تَعَالَى.
سَأَلَ المُفَضَّلُ بْنُ عُمَرَ مِنْهُ السَّلَامُ مَوْلَانَا جَعْفَرَ الصَّادِقَ عَزَّ عِزُّهُ عَنْ ظُهُورِ المَعْنَى عَزَّ وَجَلَّ بَيْنَ خَلْقِهِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ ظُهُورَ مَوْلَاكَ بَيْنَ خَلْقِهِ عَجِيبٌ، لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ إِلَّا عَالِمٌ خَبِيرٌ، قَضَتْ رَحْمَتُهُ العَامَّةُ، وَحِكْمَتُهُ التَّامَّةُ، أَنْ يُبْدِيَ الشَّيْءَ وَيَتَجَلَّى كَصِفَتِهِ، فَيَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الشَّيْءِ وَالشَّيْءُ غَيْرُهُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَجَلَّى




