مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 1 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 5 من 390

فَرَسَخَ فِي يَقِينِي أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مَا خَلَقَ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْرِفُوهُ، وَأَنَّهُ لَا فَوْزَ فِي الآخِرَةِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ اللهِ سُبْحَانَهُ.

فَطَلَبُ العِلْمِ، وَالعَمَلُ بِهِ: وَاجِبٌ دِينِيٌّ، قَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ، فَمِنْ أَجْلِهِمَا خَلَقَ الخَلْقَ، لَا عَنْ عَبَثٍ وَلَا لِحَاجَةٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ، تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً.

وَرَدَ فِي الخَبَرِ المَأْثُورِ، عَنْ نَبِيِّ اللهِ دَاوُودَ عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ سَأَلَ رَبَّ العِزَّةِ قَائِلاً: يَا رَبِّ لِمَ خَلَقْتَ الخَلْقَ؟، فَقَالَ جَلَّ جَلَالُهُ : كُنْتُ كَنْزاً مَخْفِيّاً فَأَحْبَبْتُ أَنْ أُعْرَفَ، فَخَلَقْتُ خَلْقاً وَتَعَرَّفْتُ إِلَيْهِمْ فَبِي عَرَفُونِي. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(1)، فَكَانَ ذَلِكَ فَوْزَهُمْ بِالجَنَّةِ، وَنَجَاتَهُمْ مِنَ النَّارِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (2).

فَكَانَتِ الحِكْمَةُ الإِلَهِيَّةُ فِي إِيْجَادِ الخَلْقِ لِمَعْرِفَةِ القُدْرَةِ مِنَ الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ لَا عَنْ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى إِيْجَادِهِمْ، وَلَا عَنْ عَبَثٍ، لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ العَبَثِ، فَأَوْجَدَ الخَلْقَ بِمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ، وَأَمَرَهُمْ بِمَعْرِفَتِهِ.

وَلَمَّا أَوْجَبَ عَلَى الخَلْقِ مَعْرِفَتَهُ بِذَاتِهِ، لَمْ يَجُزْ فِي الحِكْمَةِ وَالعَدْلِ أَنْ يَظْهَرَ بِغَيْرِ ذَاتِهِ، لِئَلَّا يَحُولَ عَنْ كِيَانِهِ وَتَكُونَ المَعْرِفَةُ لَهُ بِغَيْرِ ذَاتِهِ، فَيَكُونَ المَعْرُوفُ غَيْرَهُ،

الهوامش

1سورة الذاريات _ الآية (115)
2سورة المؤمنون _ الآية (56)
الصفحة 5 من 390