قَالَ تَعَالَى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ١٤﴾:
قَالَ الشَّيْخُ مَحْمُودُ صَالِحُ يُوسُفُ (الزَّلُّو) قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ فِي كِتَابِ "سَبِيلِ الهِدَايَةِ": لَقَدْ كَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْإِنْسَانَ بِالْعَقْلِ الْهَادِي إِلَىٰ مَعْرِفَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَرَكَّبَ فِيهِ مِنَ الْأَمْزِجَةِ الطَّبِيعِيَّةِ مَا يَصْلُحُ بِهِ لِلْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَعِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ، فَكَانَ بِرُتْبَةٍ وُسْطَىٰ بَيْنَ عَالَمِ الْعَقْلِ وَعَالَمِ الْحِسِّ، فَهُوَ يُشَابِهُ الْمَلَائِكَةَ، وَمُؤَيَّدٌ بِتَأْيِيدِ الْعَقْلِ الْكُلِّيِّ إِذَا قَبِلَ وُجُودَهُ، وَهُوَ مِنَ النَّاحِيَةِ الْحِسِّيَّةِ يَمِيلُ إِلَى اللَّذَّاتِ الْجُسْمَانِيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، لِأَنَّ الشَّهَوَاتِ مِنَ الْمُسْتَلْزَمَاتِ الضَّرُورِيَّةِ لِحَيَاةِ الْإِنْسَانِ، وَخَلْقِهِ الْحِسِّيِّ، وَمِزَاجِهِ الطَّبِيعِيِّ مِنْ هُنَا كَانَتْ مُحَبَّبَةً إِلَيْهِ، وَمُزَيَّنَةً لَهُ، لِأَنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ لِحَيَاةِ بَنِي الْإِنْسَانِ تَفْرِضُهَا عَلَيْهِ حِكْمَةُ اللَّهِ، وَحُكْمُهُ فِي حَتْمِيَّةِ أَوْضَاعِهِمُ التَّكْوِينِيَّةِ وَمُجْرَيَاتِ أَحْوَالِهِمُ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، فَمَنْ اسْتَعْمَلَهَا وَأَخَذَ مِنْهَا الْقَدْرَ اللَّازِمَ الضَّرُورِيَّ سَمَتْ بِهِ الْحَيَاةُ الْحُرَّةُ الْكَرِيمَةُ، وَابْتَغَى الدَّارَ الْآخِرَةُ، وَارْتَفَعَ إِلَىٰ دَرَجَةِ الْمَلَائِكَةِ، وَمَنْ تَجَاوَزَتْ فِيهِ قَدْرَهَا الْمَعْقُولَ وَسَيْطَرَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ وَتَحَكَّمَتْ بِمَشَاعِرِهِ اسْتَحَالَ مِنْ مَلَكٍ بِالْقُوَّةِ إِلَىٰ شَيْطَانٍ بِالْفِعْلِ، وَتَدَنَّىٰ إِلَى الْمَرْتَبَةِ الْحَيَوَانِيَّةِ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ.




