بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى الْإِقْرَارِ بِأَحَدِيَّةِ الْخَالِقِ، وَتَنْزِيهِ ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ عَنْ مُمَازَجَةِ الْمُحْدَثَاتِ. فَإِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُهُ بِرُوحٍ مِنْهُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾: يَعْنِي: مَنْ أَخَذَ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ شَيْئًا لَا يَضُرُّ بِالْمَذْهَبِ الْحَقِيقِيِّ، وَأَبْقَاهُ مَعَهُ لِتَحْصِينِ الْأَسْرَارِ، فِي حَظَائِرِ الْفَاسِقِينَ الْفُجَّارِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: طَالُوتُ: مَعْنَىٰ مِثْلِي. وَالْجُنُودُ: عِدَّةُ الْعَالَمَيْنِ الْعُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ.
وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ: فِيهِ إِشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إِلَىٰ إِشْرَاقِ الْفَصْلِ الْمَعْلُومِ، مِنْ كُنْهِ الْوَصْلِ الْمَوْهُومِ، كَإِشْرَاقِ الْفَتْقِ مِنَ الرَّتْقِ، وَالْحَرَكَةِ مِنَ السُّكُونِ. وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى الصُّورَةِ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا لِأَهْلِ النُّورِ كَمِثْلِ صُورَتِهِمْ، وَهِيَ الصِّبْغَةُ الَّتِي أَعْطَىٰ وُجُودَهَا مِثَالًا لِلرُّتْبَةِ الِاسْمِيَّةِ وَاخْتِرَاعِ الْمِيمِ مِنْ هَذِهِ الْفِطْرَةِ الْأَحَدِيَّةِ، وَلَهُ مِنْ جِهَتِهَا نَظْرَةٌ سَنِيَّةٌ. وَهِيَ مَنْزِلَةٌ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ خَصَّهُ بِهَا مَعْنَاهُ. أَعْنِي: نَظْرَتَهُ فِي الْفَيْضِ الثَّاقِبِ. وَمَعْنَىٰ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ﴾: وَالنَّهَرُ: عِبَارَةٌ عَنْ جَرَيَانِ الْفَيْضِ الْكَنْهُورِيِّ بِالنُّمُوِّ وَالِاعْتِدَالِ، إِلَىٰ قُطْبِ الْإِحَاطَةِ وَالْكَمَالِ. وَالِابْتِلَاءُ: هُوَ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ. أَيْ: بِوُجُودِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: مَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي: أَيْ مَنْ أَوْقَعَ بِهِ الزِّيَادَةَ وَالنُّقْصَانَ، تَكُونُ الْعِلَّةُ فِي النَّاظِرِ، لَا فِي الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ مِنِّي﴾: يَعْنِي أَنَّ الْعَجْزَ وَالْوَهَنَ الصَّادِرَ مِنْ قِبَلِ تَقَلُّبِ الْقُلُوبِ




