مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 1 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 18 من 390

فَلَوْ تَأَمَّلْنَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾(1)، وَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُعِيدَ قِرَاءَةَ هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ، وَتَتَصَوَّرَ مَدْلُولَهَا الحَرْفِيَّ لِتَعْلَمَ يَقِيناً أَنَّ المَخْلُوقَ فَضْلاً عَنِ الخَالِقِ لَا يَقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَنْفُخَ مِثْلَ تِلْكَ النَّفْخَةِ، مَهْمَا كَانَتْ حَصَانَةُ مَرْيَمَ وَعِفَّتُهَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ مَحْمُولَةً عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهَا إِلَى مَعْنًى أَبْعَدَ، وَتَأْوِيلٍ أَعْمَقَ يَتَّفِقُ مَعَ أَحْكَامِ الدِّينِ وَالمَنْطِقِ مَعاً.

وَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ مِنَ الأَسْرَارِ الَّتِي لَا يُكَاشَفُ بِهَا إِلَّا أَهْلُ النَّظَرِ وَالبَصِيرَةِ فَلَيْسَ كُلُّ سِرٍّ يُكْشَفُ وَيُفْشَى، وَلَا كُلُّ حَقِيقَةٍ تُعْرَضُ وَتُجْلَى، مِنْ صُدُورِ الأَحْرَارِ، قُبُورِ الأَسْرَارِ، وَقَالَ بَعْضُ العَارِفِينَ: إِفْشَاءُ سِرِّ الرُّبُوبِيَّةِ كُفْرٌ.

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَدِّثَ العَالِمُ إِلَى الجَاهِلِ، بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنْ إِدْرَاكٍ وَمَا انْكَشَفَ لَهُ مِنْ فَهْمٍ فِي تَصَوُّرِهِ لِلذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، فَإِنَّهُ إِنْ حَدَّثَ الجَاهِلَ بِمَا فَهِمَ مِنْ تَصَوُّرٍ، وَقَعَ الجَاهِلُ فِي حَيْرَةٍ، وَرَكِبَهُ الاضْطِرَابُ وَالقَلَقُ، وَقَدْ يَقَعُ فَيُكْسَرُ، وَلِهَذَا:

الهوامش

1سورة التحريم _ الآية (12)
الصفحة 18 من 390