مَكْنُونُ الإِشَارَةِ فِي مُضْمَرِ العِبَارَةِ
لَمَّا كَانَ القُرْآنُ الكَرِيمُ هُوَ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى فِي لِسَانٍ عَرَبِيٍّ فَصِيحٍ، مُوَجَّهاً إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، فَلَقَدْ كَانَ مِنَ العَدْلِ أَنْ يُخَاطِبَ كُلَّ فَرْدٍ مِنْهُمْ عَلَى مِقْدَارِ فَهْمِهِ وَعِلْمِهِ وَاسْتِيعَابِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ﴾(1).
فَتَبَارَكَ اللهُ الَّذِي خَاطَبَنَا فِي كِتَابِهِ بِكَلَامٍ مُبِينٍ عَلَى قَدْرِ أَفْهَامِنَا، لِيَكُونَ التَّكْلِيفُ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ، عَدْلاً مِنْهُ تَعَالَى وَلُطْفاً وَرَحْمَةً بِعِبَادِهِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنَ المُحَالِ أَنْ تَقِفَ مَعَانِي كَلَامِهِ جَلَّ جَلَالُهُ عِنْدَ ظَاهِرِ النَّصِّ فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ لِكَلَامِهِ عَزَّ وَجَلَّ بَاطِنٌ أَيْضاً، وَكَانَ التَّأْوِيلُ مَقْرُوناً بِالتَّنْزِيلِ.
وَبِتَأَمُّلِي العَمِيقِ لِمَعَانِي آيَاتِ القُرْآنِ، عَلِمْتُ أَنَّ لَهُ غَايَةً سَامِيَةً غَيْرَ مَا هِيَ عَلَيْهِ فِي الظَّاهِرِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِيُؤْخَذَ بِظَاهِرِهِ فَقَطْ، وَإِنَّمَا وُجِدَ لِكَيْ نَصِلَ إِلَى مَعْرِفَةِ بَاطِنِهِ.




