مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

اللِّسَانُ فِي ظِلَالِ الْقُرْآنِ - الْجُزْءُ 1 - الْقَاضِي حُسَيْنُ عَلِيُّ الْعَبَّاسُ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 130 من 390

وَعِنْدَ أَهْلِ البَاطِنِ: فَالْبَقَرَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الحِفْظِ وَالكِتْمَانِ، وَاسْتِيدَاعِ السِّرِّ مَأْخُوذٌ مِنْ بَاقِرِ العِلْمِ، وَهُوَ حَافِظُهُ وَكَاتِمُهُ وَخَازِنُهُ، وَهَذَا الِاسْمُ إِشَارَةٌ إِلَى البَابِ اللَّاصِقِ وَالشَّبَحِ النَّاطِقِ، وَقِيلَ: إِنَّ البَقَرَةَ هِيَ البَابُ، وَذَبْحُهَا مَعْرِفَتُهُ الظَّاهِرَةُ وَالبَاطِنَةُ، فَالبَاطِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالنُّورَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفَتُهُ بِالبَشَرِيَّةِ.

وَلَيْسَ الذَّبْحُ هُوَ قَتْلٌ وَهَلَاكٌ، بَلِ اسْتِنْبَاطُ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَمَعْرِفَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ الصَّحِيحِ، وَالمَذْهَبِ الرَّجِيحِ، بِالقِسْطِ الصَّرِيحِ، الوَارِدِ عَنْهُ القَوْلُ الفَصِيحُ وَلَوْ كَانَ المُرَادُ بِذَبْحِهَا قَتْلَهَا وَهَلَاكَهَا لَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْقِرُوا بَقَرَةً، وَلَقَالَ عَنْهُمْ فَعَقَرُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَلَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَاتُ الشَّرِيفَةُ عَلَى تَفْسِيرِ صِفَاتِ البَقَرَةِ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: مِنْ أَنَّهَا بَقَرَةٌ لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ أَيْ يَكُونُ عُمْرُهَا مُتَوَسِّطاً فَذَبَحُوهَا بِحَسَبِ الأَمْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ دَلِيلٌ عَلَى عَجْزِ العُيُونِ عَنْ رُؤْيَةِ صِفَاتِ البَقَرَةِ، وَالعَارِفُونَ: هُمُ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِمَعْرِفَتِهَا، وَالمُنْكِرُونَ الجَاحِدُونَ هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَعْرِفَتَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فَأَرَانَا فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وَبَاطِنِهَا بِأَنَّهُمْ رَأَوُا البَقَرَةَ وَمَا رَأَوْهَا، وَأَنَّهُمْ عَرَفُوا البَقَرَةَ وَمَا عَرَفُوهَا، وَالهِدَايَةُ مِنَ اللهِ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ، ذَلِكَ دَلِيلُ الظِّلِّ.

الصفحة 130 من 390