وَعِنْدَ أَهْلِ البَاطِنِ: فَالْبَقَرَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الحِفْظِ وَالكِتْمَانِ، وَاسْتِيدَاعِ السِّرِّ مَأْخُوذٌ مِنْ بَاقِرِ العِلْمِ، وَهُوَ حَافِظُهُ وَكَاتِمُهُ وَخَازِنُهُ، وَهَذَا الِاسْمُ إِشَارَةٌ إِلَى البَابِ اللَّاصِقِ وَالشَّبَحِ النَّاطِقِ، وَقِيلَ: إِنَّ البَقَرَةَ هِيَ البَابُ، وَذَبْحُهَا مَعْرِفَتُهُ الظَّاهِرَةُ وَالبَاطِنَةُ، فَالبَاطِنُ مَعْرِفَتُهُ بِالنُّورَانِيَّةِ، وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفَتُهُ بِالبَشَرِيَّةِ.
وَلَيْسَ الذَّبْحُ هُوَ قَتْلٌ وَهَلَاكٌ، بَلِ اسْتِنْبَاطُ عِلْمٍ وَحِكْمَةٍ وَمَعْرِفَةٍ عَلَى التَّرْتِيبِ الصَّحِيحِ، وَالمَذْهَبِ الرَّجِيحِ، بِالقِسْطِ الصَّرِيحِ، الوَارِدِ عَنْهُ القَوْلُ الفَصِيحُ وَلَوْ كَانَ المُرَادُ بِذَبْحِهَا قَتْلَهَا وَهَلَاكَهَا لَقَالَ: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْقِرُوا بَقَرَةً، وَلَقَالَ عَنْهُمْ فَعَقَرُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ، وَلَقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَاتُ الشَّرِيفَةُ عَلَى تَفْسِيرِ صِفَاتِ البَقَرَةِ لِأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ: مِنْ أَنَّهَا بَقَرَةٌ لَا كَبِيرَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ أَيْ يَكُونُ عُمْرُهَا مُتَوَسِّطاً فَذَبَحُوهَا بِحَسَبِ الأَمْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا﴾ دَلِيلٌ عَلَى عَجْزِ العُيُونِ عَنْ رُؤْيَةِ صِفَاتِ البَقَرَةِ، وَالعَارِفُونَ: هُمُ الَّذِينَ يُسَرُّونَ بِمَعْرِفَتِهَا، وَالمُنْكِرُونَ الجَاحِدُونَ هُمُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا مَعْرِفَتَهَا، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ فَأَرَانَا فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ وَبَاطِنِهَا بِأَنَّهُمْ رَأَوُا البَقَرَةَ وَمَا رَأَوْهَا، وَأَنَّهُمْ عَرَفُوا البَقَرَةَ وَمَا عَرَفُوهَا، وَالهِدَايَةُ مِنَ اللهِ بِقَدْرِ الِاسْتِحْقَاقِ، ذَلِكَ دَلِيلُ الظِّلِّ.




