فَقَوْلُهُ: قَحْطَانِهَا الْهَاءُ رَاجِعَةٌ إِلَى الْقَبَائِلِ وَقَحْطَانُ هُوَ جَدُّ قَبَائِلِ الْيَمَنِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ لِئَلَّا يَقَعَ الْحَصْرُ، فَقَالَ: "وَجَمِيعُ النَّسْلِ مِنْ أَدَدِ" وَهُوَ جَدُّ الْقَبَائِلِ جَمِيعاً، وَقِيلَ أَدَدُ اسْمُ النُّطْفَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْهَا جَمِيعُ الْعَالَمِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي النَّقْلِ أَنَّ مَوْلَانَا الْعَيْنَ عَزَّ عِزُّهُ فِي وَقْعَةِ الْأَحْزَابِ تَشَخَّصَ بِتِسْعِينَ أَلْفِ شَخْصٍ عَلَى عَدَدِ الْعَسْكَرِ الَّذِي تَجَهَّزَ لِمُحَارَبَتِهِ حَتَّى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيَّ مِنْهُ مِنْ قَتِيلٍ وَجَرِيحٍ وَمَهْزُومٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا وَرَدَ فِي اخْتِلَافِ الرُّؤْيَةِ، إِنَّ الِاسْمَ يَرَاهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْبَابُ، وَالْبَابُ يَرَاهُ بِمَا لَا يَرَاهُ الْيَتِيمُ وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ الْمَرَاتِبِ،وَقَوْلُ الْمَوْلَى الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ : إِذَا كَانَتِ الرُّؤْيَةُ لَهُ تَتَفَاضَلُ فَالْمَعْرِفَةُ بِهِ تَتَفَاضَلُ.
وَشَوَاهِدُ مِثْلُ هَذَا كَثِيرَةٌ فِي كُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَا تَسَعُهَا الْقَرَاطِيسُ وَلَا تَصِفُ حَدَّهَا النَّوَاطِيسُ وَجَمِيعُهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى عَزَّ عِزُّهُ ظَهَرَ وَبَانَ وَشُوهِدَ بِالْعِيَانِ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ مِنْ جِهَةِ خَلْقِهِ دَلَّ عَلَى تَفَرُّدِهِ، وَأَنَّ الصُّورَةَ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ ظَهَرَ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ فَالْقُدْرَةُ لَهُ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّهُ تَعَالَى ظَهَرَ لَهُمْ بِذَاتِهِ، فَرَأَوْهُ عَلَى حَسَبِ قُوَاهُمْ، لِأَنَّ الصُّورَةَ غَيْرُ مَدْرُوكَةٍ، كَذَلِكَ الذَّاتُ غَيْرُ مَدْرُوكَةٍ، لِأَنَّ الذَّاتَ وَالصُّورَةَ فِي الْوَصْفِ سَوَاءٌ يَعْنِي بِعَدَمِ الْإِدْرَاكِ.
وَقَدْ أَوْرَدَ الْعُلَمَاءُ فِي كَنَائِسِهِمْ: أَنَّ النَّاظِرَ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ كَالنَّاظِرِ فِي الْمِيَاهِ الصَّافِيَةِ وَالْمَرَايَا الْمَصْقُولَةِ يَرَى نَظِيرَ صُورَتِهِ.




