وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ كَثِيرٍ فِي مَعْرِفَةِ الْأَجْسَامِ وَكَيْفِيَّتِهَا وَافْتِرَاقِهَا وَاجْتِمَاعِهَا فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ وَتَنْزِيهِ الْجِسْمِ الْخَامِسِ عَنْهَا وَمِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ السَّائِلِ: أَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَجَسِّمًا (مُجَسَّمًا) كَجِسْمِ الْخَلْقِ؟ قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ : لَا، وَكَيْفَ يَجُوزُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقِيبٌ وَاجْتِمَاعٌ فِي الْمَوَاضِعِ وَافْتِرَاقٌ فِي الْحَوَاسِّ؟ وَأَنَّ الْخَالِقَ لَا يُدْرَكُ شَمًّا فَيَكُونَ رَائِحَةً وَلَا يُدْرَكُ بِالْأُذُنِ فَيَكُونَ صَوْتًا، وَلَا يُدْرَكُ بِالذَّوْقِ فَيَكُونَ طَعْمًا، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ فَيَكُونَ خُشُونَةً وَلِيْنَةً وَهَذَا حَدُّ الْأَجْسَامِ الْمَخْلُوقَةِ الْمُتَجَاوِرَةِ فِي الْأَمْكِنَةِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الْحَوَاسِّ.
قَالَ السَّائِلُ: فَإِذَا أَخْرَجْتَ الْخَالِقَ مِنْ هَذِهِ الْحُدُودِ أَخْرَجْتَهُ مِنْ حَدِّ الْأَجْسَامِ،( يَعْنِي لِإِثْبَاتِ الْوُجُودِ )، وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ حَدِّ الْأَعْرَاضِ،(وَذَلِكَ لِلتَّنْزِيهِ)، قَالَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ : فَإِنَّهُ لَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَخْرُجَ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْ حَدِّ الْأَجْسَامِ وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ حَدِّ الْأَعْرَاضِ، لِأَنَّهُ يُحَدُّ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِّ وَهُوَ حَدٌّ لَا فِي حَدٍّ، إِذَا كَانَ الْخَالِقُ لَيْسَ هُوَ طَعْمًا وَلَا لَوْنًا وَلَا رَائِحَةً وَلَا صَوْتًا وَلَكِنَّهُ جِسْمٌ خَامِسٌ آخَرُ مُنْفَرِدٌ بِالْوَحْدَانِيَّةِ الْقَدِيمَةِ الْأَزَلِيَّةِ يُدْرَكُ بِالْعِيَانِ وَمَا يُدْرَكُ بِالْعِيَانِ، فَلَيْسَ هُوَ لَوْنًا وَلَا رَائِحَةً وَلَا صَوْتًا وَلَا طَعْمًا وَلَكِنَّهُ مَوْجُودٌ بِالْعِيَانِ، وَالْعِيَانُ قَدْ يُدْرِكُ الْخَالِقَ وَالْمَخْلُوقَ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ الْخَالِقُ وَالْمَخْلُوقُ بِجِهَةٍ وَاحِدَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعِيَانَ قَدْ يَرَى الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالذَّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالنُّقْصَانَ وَالزِّيَادَةَ وَاللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَفَوْقَ وَتَحْتَ، وَالسَّمْعَ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الصَّوْتَ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْأَنْفُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الشَّمَّ وَحْدَهُ وَكَذَلِكَ الْفَمُ لَا يُدْرِكُ إِلَّا الذَّوْقَ وَالطَّعْمَ وَحْدَهُ، وَكَذَلِكَ الْحِسُّ وَاللَّمْسُ لَا يُدْرِكُ




