وَقَوْلُهُ: هُوَ شَيْءٌ أَمْ لَاشَيْءٌ؟ قُلْنَا لَهُ: هُوَ كَمَا سَمَّى نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾1 فَأَعْلَمَنَا أَنَّهُ شَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ.
وَقَوْلُهُ: نُورٌ أَمْ ظُلْمَةٌ؟ قُلْنَا لَهُ: هُوَ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾2 ،فَأَوْجَدَنَا أَنَّهُ نُورٌ، وَأَنَّهُ شَيْءٌ وَأَنَّ لَهُ آلَةَ الْأَجْسَامِ، إِلَّا أَنَّهُ نُورٌ لَا كَالْأَنْوَارِ، وَشَيْءٌ لَا كَالْأَشْيَاءِ، وَجِسْمٌ لَا كَالْأَجْسَامِ، وَصِفَةٌ لَا كَالصِّفَاتِ، وَآلَةٌ لَا كَالْآلَاتِ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تُرَى إِلَّا كَالْأَجْسَامِ وَالصُّوَرِ وَالصِّفَاتِ وَالْآلَاتِ، وَلَوْ لَمْ تُرَ كَهَيْئَةِ الْأَجْسَامِ وَالصُّوَرِ وَالصِّفَاتِ وَالْآلَاتِ لَمْ يَثْبُتِ الْوُجُودُ وَلَا صَحَّ الْعِيَانُ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى ظُهُورِهِ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ؟ قُلْنَا لَهُ: لَوْ لَمْ يَظْهَرْ بِالصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ لَمْ يُثْبَتْ وُجُودُهُ، وَلَا صَحَّ عِيَانُهُ وَلَا تَيَقُّنُهُ، فَإِنْ قَالَ: كُلُّ صُورَةٍ مَخْلُوقَةٌ، فَكَيْفَ يَظْهَرُ بِمَخْلُوقٍ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ، وَنَحْنُ وَأَنْتُمْ نَقُولُ: إِنَّ الْخَالِقَ غَيْرُ الْمَخْلُوقِ، وَالصُّورَةَ غَيْرُ الْمُصَوِّرِ، وَالْمِثَالَ غَيْرُ الْمُمَثَّلِ، وَالِاسْمَ غَيْرُ الْمُسَمَّى، وَالرَّسُولَ غَيْرُ الْمُرْسِلِ؟ قُلْنَا لَهُ: إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ الَّتِي يَظْهَرُ بِهَا لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ، وَلَوْ قُلْنَا أَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ، وَالْمَعْنَى عَزَّ عِزُّهُ مِنْ دُونِهَا لَكُنَّا نَحْنُ وَسَائِرُ الْخَلْقِ فِي هَذَا الْقَوْلِ سَوَاءً، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ إِنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ لَمْ تَكُنْ فِي الدُّنْيَا.




