وَأَمَّا مَعْنَى تَسْمِيَتِهَا مَرْيَمَ بِالْأُنُوثَةِ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ الشَّرِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَتْ﴾ فَدُخُولُ التَّاءِ هُنَا تَعْرِيضاً بِلِسَانِ قَوْمِهَا وَنِسْبَتِهِمْ لَهَا لِلْإِنَاثِ وَنَزَّهَهَا سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ دَعَاهَا مَعَ الذُّكُورِ وَلَمْ يَقُلْ مِنَ الْقَانِتَاتِ، وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِراً عَنِ الْيَهُودِ وَمُكَذِّباً لَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾1 ، وَالْجِنَّةُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هِيَ مَرْيَمُ لِكَوْنِ الْمَسِيحِ عَزَّ عِزُّهُ اسْتُجِنَّ مِنْهَا أَي كَانَ جَنِيناً، وَمَنْ قَالَ أَنَّ قَوْلَهُ: (الْجِنَّةِ) هُمُ الْجِنُّ نَقِيضُ الْإِنْسِ فَنَقُولُ لَهُ: كَيْفَ النِّسْبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنِّ وَهُمْ لَا يُرَوْنَ وَلَا يُحَسُّونَ وَلَا يُمَسُّونَ مَعَ أَنَّ دَلَائِلَهُ وَقُدَرَهُ وَآيَاتُهُ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ تَخْفَى مِنْ خَلْقِ الطَّيْرِ مِنَ الطِّينِ وَإِبْرَاءِ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى وَعِلْمِهِ بِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ.
وَقَدْ قَالَ فِي الْإِنْجِيلِ الظَّاهِرِ يَكْفِيكُمْ مَا عَايَنْتُمْ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَيْسَتْ إِلَّا لِلاهُوتِ فِعْلُهُ وَاحِدٌ فَكَيْفَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَدَلَائِلَ مُتَوَاتِرَاتٍ وَمُعْجِزَاتٍ ظَاهِرَاتٍ إِنْ عَقِلْتُمْ وَلَكِنَّهُمْ لَا يَعْقِلُونَ بَلْ يَصِفُونَ الْمُحَالَ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا جَوْهَرَ الرَّبِّ كَجَوْهَرِ الْجِنَّةِ مَرْيَمَ، وَهِيَ مِنْ جُمْلَةِ الْحُجُبِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ الْأَبُ وَالِابْنُ وَالْأُمُّ وَالْأُخْوَةُ وَالْأَزْوَاجُ وَالْأَوْلَادُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ




