وَلَقَدْ تَقَرَّرَ فِي كِتَابِ الْأُسُوسِ مَا هَذَا شَرْحُهُ لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْإِنْجِيلِ: (نَزَلْتُ إِلَيْكُمْ مُتَجَلِّياً فِي حِجَابٍ فَأَرَيْتُكُمْ نَفْسِي بِالنُّشُوءِ وَالْوِلَادَةِ، ثُمَّ عَمِلْتُ عَمَلَ اللَّاهُوتِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَكُمْ مَا تُمَيِّزُونَ بِهِ بَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلَ اللَّاهُوتِيَّةِ وَبَيْنَ مَنْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْإِنْسَانِيَّةِ ثُمَّ أَكَّدْتُ حُجَّتِي بِارْتِفَاعِي فِي مَوْضِعِي وَانْصِرَافِي إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ إِنِّي أَظْهَرُ بَعْدَ فَتْرَةٍ فَأُبْدِي الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ).
فَدَلَّ بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ أَوْرَى نَفْسَهُ بِالْحِجَابِ يَعْنِي ظَهَرَ مِنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَالْأُمُّ مِنَ الْحُجُبِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ هُمْ: الْأَبُ وَالْأُمُّ وَالْأَزْوَاجُ وَالْأَوْلَادُ وَالْإِخْوَةُ وَأَوْرَى نَفْسَهُ أَنَّهُ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّرْبِيَةِ وَالتَّغْذِيَةِ حَتَّى نَشَأَ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ عَمِلْتُ عَمَلَ اللَّاهُوتِ) هُوَ تَكَلُّمُهُ فِي الْمَهْدِ، وَهَذِهِ قُدْرَةٌ وَإِحْيَاؤُهُ الْمَيْتَ وَإِبْرَاؤُهُ الْأَكْمَهَ ،وَهُوَ الَّذِي وُلِدَ أَعْمَى، وَشِفَاؤُهُ الْأَبْرَصَ وَعِلْمُهُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَبِمَا يَأْكُلُونَ وَمَا يَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِهِمْ وَإِنْزَالُهُ الْمَائِدَةَ مِنَ السَّمَاءِ، وَهَذَا هُوَ عَمَلُ اللَّاهُوتِ وَهِيَ الْقُدْرَةُ وَإِنَّ الْقُدْرَةَ ثَابِتَةٌ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهَا التَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ وَإِنَّمَا التَّشْبِيهُ وَاقِعٌ عَلَى الصُّورَةِ مِنْ قِبَلِ تَقَلُّبِ الْأَبْصَارِ وَالنَّوَاظِرِ مِنَ الْمِزَاجِ وَالْكَدَرِ الَّذِي هُوَ مِنْ شَنْبَوِيَه.
وَقَالَ تَعَالَى مُخْبِراً عَنْ عِيسَى عَزَّ عِزُّهُ : ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾1 الدَّلِيلُ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ الصُّورَةَ زَائِلَةٌ وَإِنْ تَكُنْ عِنْدَ الظُّهُورِ إِلَى الْأَشْيَاءِ




