وَقَوْلُهُمْ أَيْضاً يَعْنِي الحُكَمَاءَ المُتَقَدِّمِينَ: إِنَّ بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَائِرَتَانِ نَفْيٌ وَإِثْبَاتٌ، فَدَائِرَةُ النَّفْيِ مِن دَوَائِرِ الإِثْبَاتِ، فَدَائِرَةُ النَّفْيِ لِلْمُوَحِّدِ وَدَائِرَةُ الإِثْبَاتِ لِلْمُوجِدِ، وَهِيَ سَطْرَانِ سَطْرُ النَّفْيِ فِي عَالَمِ العَمَلِيَّاتِ، وَسَطْرُ الإِثْبَاتِ عَلَى العِلْمِيَّاتِ وَلَمَّا كَانَ سَطْرُ النَّفْيِ مُحْتَوِيّاً عَلَى حُرُوفٍ خَمْسَةٍ كَانَتِ المَنْفِيَّاتُ خَمْسَةً وَهِيَ نَفْيُ الِاخْتِيَارَاتِ مِنَ المُرَادَاتِ وَهُوَ وُجُوبُ تَصْدِيقِ القُدْرَةِ عَلَى القِيَامِ بِالأَعْمَالِ وَهَذِهِ مِن مُتَعَلِّقَاتِ النَّفْسِ فَمَن قَطَعَ هَذِهِ التَّعَلُّقَاتِ صُعِدَ بِهِ إِلَى دَائِرَةِ الإِثْبَاتِ، وَهِيَ سَبْعُ مَرَاتِبَ عَلَى عَدَدِ حُرُوفِهَا لِيَكُونَ حِينَئِذٍ حَيَاتُهُ بِالتَّوْحِيدِ وَعَمَلُهُ بِالشُّهُودِ وَقُدْرَتُهُ بِالرِّضَاءُ وَتَصَرُّفُهُ بِالحِكْمَةِ وَنَظَرُهُ بِالبَصِيرَةِ وَشُهُودُهُ بِالحَقِيقَةِ وَسَمْعُهُ بِالكَشْفِ .
فَبِحَيَاتِهِ بِالتَّوْحِيدِ يُدْرِكُ حَقِيقَتَهُ، وَبِعِلْمِهِ بِالشُّهُودِ يَسْتَدْرِكُ أَنْوَارَ البَقَاءِ، وَبِقُدْرَتِهِ بِالرِّضَا قَصَرَت نَفْسُهُ عَنِ التَّطَلُّعِ لِمَا مَضَى، وَبِنُطْقِهِ بِالحِكْمَةِ تَكْتُبُ نَجَاتَهُ مِنَ الذِّلَلِ، وَبِنَظَرِهِ بِالبَصِيرَةِ يَكْشِفُ حَقِيقَةَ المَآلِ، وَبِسَمْعِهِ بِالسِّرِّ تَثْبُتُ لَهُ الرُّؤْيَةُ فِي عَالَمِ الحَقِيقَةِ، فَحِينَئِذٍ يَقْرَأُ كَلَامَ اللهِ بِالسَّبْعَةِ الأَحْرُفِ الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ بِهَا فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الإِثْبَاتِ.
وَلَمَّا كَانَت لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَثْنِي عَشَرَ حَرْفاً، جَعَلَ الفُصُولَ الأَرْبَعَ مُحْتَوِيَةً عَلَى اثْنِي عَشَرَ شَهْراً، وَالعَالَمُ كُلُّهُ تَحْتَ حَصْرِ هَذِهِ الدَّائِرَةِ فِي الشُّهُورِ




