وَقالَ عَزَّ عِزُّهُ أَيضَاً في هَذِهِ الرِّسَالةِ: إِنَّ الرِتْقَ القَديمَ بِمَعنَى الغَيبِ المِنِيعِ المَمَّنوعِ التَكْيِّيفِ والتَّكُلُّمِ فِيهِ، ولَيسَ هُوِ شَخْصَاً غَائِباً مَمنُوعَاً الرُّؤيَةِ بَلْ هُوَ العِلمُ والقُدْرةُ التِي قَصُرَتِ عَنْ إِدْراكِ كَيفِيَّتهَا الأَفْهَامُ وَعَجِزَتْ عَنْ الإِحَاطَةِ بِها غَوامِضُ الأَوهَامِ، وَهِيَ الصِّفةُ التِي أَخْبرَ عَنْها الشَّيخُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بأَنَّهَا صِفةٌ لا كَالصِفَاتِ.
وَهِيَ الصِّفةُ التي قَالَ فيهَا أَيضاً بِمَا رَواهُ عَنْ العَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ : إنَّ للهِ صِفَاتٍ خَالِقَاتٍ لا مَخْلُوقَاتٍ؟ فَأجَابَ عَزَّ عِزُّهُ : بأنَّها هِيَ عِلْمُ الباري وقُدْرَتُهُ الَّتي بِها ظَهرَ الكَونُ والحُدوثُ لِكُلِّ مُكَوِّنٍ وَكَائِنٍ، ومُرَادُهُ في العالَمين العُلوِيِّ والسُّفليِّ، وتَقديرُ ذلكَ وعِلْمُهُ في أهلِ المَرَاتِبِ النُّورانيَّةِ وذلكَ من حيثُ لا حَدَّ ولانِهايَةَ لَهُ ولا لِما يَجْرِي منهُ.
فبيَّنَ العَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ بأَنَّ صِفَاتِ اللهِ الخَاصةَ القَديمةَ هِيَ: العِلْمُ والقُدْرةُ الأَزلِيةُ، وهِيَ التِي تَفَرَّدَ بِها فِي قِدَمِهِ واسْتَتَرَ بِها دُونَ بَريَّتِهِ، ليسَتْ هِيَ غَيرهُ ولا هُوَ سِواهَا، وَهِيَ نَفْسُ حَقِيقةِ الذَّاتِ، وهِيَ الغَيبُ المَنيعُ ومَعْنَى قَولِنَا: غَيبٌ مَنيعٌ، أَي مَمْنُوعُ الإِحَاطَةِ والإِدرَاكِ ولَيسَ ممْنوعَ الوجُودِ والظُهورِ.




