القَدِيرِ، وَأَنَّ الأَكْثَرَ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ مَرْسُومَةٌ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الأَقْوَالِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى التَّطْوِيلِ وَالإِكْثَارِ لِزِيَادَةِ الِاشْتِهَارِ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ : (قَرِيبٌ لَا بِمُدَانَاةٍ، بَعِيدٌ لَا بِمُنَافَاةٍ)، يَعْنِي أَنَّهُ قَرِيبٌ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مَحْصُورٍ بِالمُخَالَطَةِ قَرِيبٌ مِنْ خَلْقِهِ بِالاسْتِدْلَالِ بَعِيدٌ عَنْهُمْ بِالقُدْرَةِ وَالأَفْعَالِ ظَاهِرٌ لَهُمْ كَهُمْ، فَهَذَا هُوَ القُرْبُ، يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُ دَاوُودَ النَّبِيِّ عَزَّ عِزُّهُ : يَا رَبِّ أَبَعِيدٌ فَأُنَادِيكَ أَمْ قَرِيبٌ فَأُنَاجِيكَ، مَعْنَاهُ إِنْ جَهَرَ أَوْ أَخْفَى لَا يَكُونُ فَرْقاً، وَقَدْ قَالَ الأَمِيرُ حَسَنُ بْنُ مَكْزُونٍ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ :
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِراً لِلْعِيَانِ | نَرَاهُ بِهِ لَمْ تُسَرَّ الدُّعَاءُ |
وَقَوْلُهُ: بَعِيدٌ لَا بِمُنَافَاةٍ يَعْنِي وَإِنْ بَعُدَ عَنْ صِفَاتِ المَخْلُوقِينَ فَهُوَ غَيْرُ مَنْفِيٍّ بَلْ بُعْدُهُ عُلُوٌّ وَرِفْعَةٌ وَتَنْزِيهٌ عَنْهُمْ لَا بِمُنَافَاةٍ أَيْ لَا بِعَدَمٍ وَتَعْطِيلِ وُجُودٍ وَظُهُورٍ جَلَّ عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرٌ بَيْنَهُمْ غَيْرُ مُخَالِطِهِمْ وَلَا مُمَازِجِهِمْ، وَبَعِيدٌ غَيْرُ مَنْفِيٍّ وَلَا مَعْدُومٍ، وَالإِشَارَةُ أَنَّهُ قَرِيبٌ وَإِدْرَاكُهُ لَا يَكُونُ وَبَعِيدٌ عَنِ العَالَمِ بِإِظْهَارِ المَعَاجِزِ وَالقَدَرِ، الَّتِي لَا يَسْتَطِيعُ خَلْقُهُ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهَا وَهَذَا البُعْدُ لَا يُوجِبُ المُنَافَاةَ وَهِيَ نَفْيُ الوُجُودِ مَعَهُمْ لَكِنَّهُ يَنْفِي الحَصْرَ وَالإِدْرَاكَ وَإِنَّ مَعْرِفَتَهُ حَاضِرَةٌ لَمَحْضُورَةٍ إِذْ لَا غَيْبَةَ فِي الحَقِيقَةِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِنَا ظُهُورُهُ بُطُونٌ وَبُطُونُهُ ظُهُورٌ.




