وَإِنَّ ظُهُورَ الحَقِّ سُبْحَانَهُ بِخِلَافِ هَذِهِ الأَشْيَاءِ إِذْ لَا شَيْءَ أَعْلَى وَلَا أَقْدَرُ مِنْهُ وَأَنَّ وُجُودَهُ لَيْسَ بِمُدَاعَرَةٍ وَلَا بِتَجْدِيدِ مُحَاوَرَةٍ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ فِي الدُّعَاءِ: (مُتَشَخِّصٌ لَا بِمُزَايَلَةٍ)، يَعْنِي إِنَّهُ تَعَالَى وَإِنْ أَرَى التَّشْخِيصَ لِلْوُجُودِ وَالظُّهُورِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُزَايَلَةٍ عَنْ كِيَانِ القِدَمِ وَمِنْ خَوَاصِّ الدُّعَاءِ أَنْ يُقَالُ: يَا مَنْ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، وَقَالَ السَّيِّدُ الخَصِيبُ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ فِي فَتْحِ إِحْدَى قَصَائِدِهِ نَفَعَنَا اللهُ بِمَوَارِدِهِ:
تَشَخَّصَ لِلأَنَامِ فَشَبَّهُوهُ | بِأَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَحَقَّقُوهُ | |
وَلَوْ عَرَفُوا الَّذِي عُرِفَتْ مِنْهُ | عَلَى تَحْقِيقِهِ لَتَأَلَّهُوهُ |
يَعْنِي أَنَّهُ ظَهَرَ بِأَشْخَاصٍ وَأَسْمَاءٍ فَوَقَفُوا عِنْدَهَا وَلَمْ يَعْلَمُوا حَقِيقَةَ قِدَمِيَّتِهِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقُوا كَيْفِيَّةَ ظُهُورِهِ بِهَذِهِ الأَشْخَاصِ وَالاسْمَاءِ بَلْ شَبَّهُوهُ بِهِمْ، وَلَوْ عَرَفُوا الَّذِي عُرِفَتْ وَبَيَّنَتْ عَنْ هَذَا التَّشْخِيصِ أَنَّهُ مِنْ لُطْفِهِ فِي بَرِيَّتِهِ وَإِنْصَافِهِ فِي رَعِيَّتِهِ لِكَيْ يَتَحَقَّقُوا أَنَّهُ القَادِرُ عَلَى تَغْيِيرِ الأَشْخَاصِ وَالاسْمَاءِ، تَشَخَّصَ لِكُلٍّ عَلَى حَسَبِ طَاقَتِهِ وَهَذَا الظُّهُورُ بِالتَّشْخِيصِ لَمْ يَحُلَّهُ عَنْ كِيَانِ القِدَمِ وَلَا يُزِيلُهُ عَنْ كَيْنُونِيَّةِ العِلْمِ، وَلَوْ عَرَفُوا ذَلِكَ وَعَلِمُوهُ لَتَأَلَّهُوهُ.




