وَتَفَرَّدَ سُبْحَانَهُ بِالغَايَةِ القُصْوَى الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَدٌّ وَلَا نَسَبٌ، وَهِيَ الذَّاتُ الَّتِي لَا تُوصَفُ وَلَا فِيهَا لِلْقَائِلِينَ مَقَالٌ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ : (لَمْ تُحِطْ بِكَ بِعَظَمَتِكَ المَسَاكِنُ فَتُحَلَّ، وَلَا عَدِمْتَ لُطْفَكَ الأَمَاكِنُ فَتُخْلَ)، تَنْزِيهاً لِعَظَمَتِهِ تَعَالَى عَنْ أَنْ يُحَاطَ بِمَسْكَنٍ مِنَ المَسَاكِنِ فَيَكُونَ حَالّاً فِيهِ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ المَوْلَى الصَّادِقِ عَزَّ عِزُّهُ : مَنْ قَالَ أَنَّهُ فِي شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْصُوراً، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ عَلَى شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مَحْمُولاً، وَمَنْ قَالَ أَنَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَقَدْ جَعَلَهُ مُحْدَثاً، وَكَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ أَيُّ مَكَانٍ مِنَ الأَمْكِنَةِ أَنْ يَعْدَمَ وُجُودَهُ وَهُوَ لُطْفُهُ، لِأَنَّ وُجُودَهُ لُطْفٌ كُلُّهُ وَلَوْ عَدِمَهُ مَكَانٌ لَكَانَ خَالِياً، وَلَوْ خَلِيَ انْقَطَعَ المَدَدُ عَنْهُ، وَتَكُونُ وَالعِيَاذُ بِاللَّهِ غَفْلَةً فَيَحْدُثُ حِينَئِذٍ الإِخْلَالُ وَالخَلَلُ وَهُوَ التَّغْيِيرُ وَالفَسَادُ وَسُقُوطُ الشَّيْءِ عَنْ هَيْئَتِهِ، وَلَا يَكُونُ الخَلَلُ إِلَّا مِنْ عَدَمِ الضَّبْطِ، وَلَا يَحْدُثُ عَدَمُ الضَّبْطِ إِلَّا عَنْ عَجْزٍ، وَالعَجْزُ لَا يَثْبُتُ عَلَى القَادِرِ فَكَيْفَ وَهُوَ يَقُولُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾1.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ : (يَا أَحَدُ لَا مِنْ عَدَدٍ) تَنْزِيهاً لَهُ عَنْ دُخُولِهِ فِي رُتَبِ الأَعْدَادِ بَلْ هُوَ مُتَأَحِّدٌ مُنْفَرِدٌ مُتَجَرِّدٌ عَنِ العَدَدِ.




