ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ : (وَلَا لَصِفَتِكَ شَبَحٌ فَتُوصَفُ بِكَيْفِيَّةٍ)، يُشِيرُ وَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الخِيَالَاتِ وَالتَّصْوِيرِ عَن صِفَاتِهِ تَعَالَى، وَلَوْ كَانَ لَهَا شَبَحٌ لَتَكَيَّفَتْ وَكَانَ يُقَالُ فِي السُّؤَالِ كَيْفَ هُوَ؟ فَيُقَالُ فِي الجَوَابِ: طَوِيلٌ أَوْ قَصِيرٌ أَوْ أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ النُّعُوتِ ( تَعَالَى اللهُ عَن ذَلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً )، لَكِنَّ صِفَاتَهُ مُخْتَصَّةٌ بِالأَفْعَالِ لَا بِالنُّعُوتِ، لِأَنَّ النُّعُوتَ مُخْتَصَّةٌ بِالأَلْوَانِ وَالأَجْسَامِ وَالصِّفَاتُ تَخْتَصُّ بِالأَفْعَالِ، وَالشَّاهِدُ بِذَلِكَ الأَسْمَاءُ الصِّفَاتِيَّةُ كَقَوْلِنَا: اللهُ مُخْتَصٌّ بِاللاَّهُوتِ وَهُوَ غَيْرُ شَبَحٍ وَلَا نَعْتٍ، وَالرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ: مُخْتَصَانِ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّحْمَنُ بَاطِنُ الرَّحِيمِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الأُلُوهِيَّةِ، وَالأُلُوهِيَّةُ بَاطِنُ الرَّحْمَنِ وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾1، فَلِذَلِكَ لَا يُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ إِلَّا اللهُ تَعَالَى، وَالرَّحِيمُ يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّهُ يُقَالُ فُلَانٌ رَحِيمٌ وَلَا يُقَالُ فُلَانٌ رَحْمَنُ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾2.
وَالبَارِئُ: هُوَ المُخْتَصُّ بِالخِلْقَةِ، وَالبَرِيَّةُ: هِيَ الخَلْقُ وَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ وَيُقَالُ إِنَّ البَرَا مَخْصُوصٌ بِخَلْقِ البَشَرِ لِقَوْلِ الشَّيْخِ الخَصِيبِ قَدَّسَ اللهُ رُوحَهُ :
يَوْمَ ذَرَانَا مِنْ نُورِهِ وَبَرَا | جَمِيعَ هَذِهِ الأَنَامِ مِنْ طِينِ | |
ثُمَّ بَدَا مَا بَرَاهُ مِنْ بَشَرٍ | وَمِنْ حَمَأٍ بَعْدَ ذَاكَ مَسْنُونِ |




