يَعْنِي بِمَا أَوْسَمَ سُبْحَانَهُ أَي جَعَلَ بِالأَشْيَاءِ عَلَامَةً مِنَ العَجْزِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّبْدِيلِ، عَلِمَتِ العُقُولُ أَنَّ القُدْرَةَ لِلْقَادِرِ وَهُوَ الصَّانِعُ البَدِيعُ الأَوَّلُ الأَزَلُ وَهَذِهِ عَلَامَاتٌ وَاضِحَةٌ، وَاسْتَشْهَدَتِ العُقُولُ أَيْضاً بِمَا أَظْهَرَتْهَا الأَشْيَاءُ مِنَ الفَنَاءِ أَي عَدَمُ القُوَّةِ وَالحَرَكَةِ إِلَّا بِهِ، وَالافْتِقَارِ إِلَيْهِ بِكُلِّ مَا يَكُونُ، كَمَا أَنَّ الأَرْضَ لَا تَنْبُتُ بِقُوَّتِهَا بَلْ بِقُوَّةِ الصَّانِعِ بِحَرَكَةِ المِيَاهِ وَالهَوَاءِ وَالأَشْجَارُ لَا تَنْبِثِقُ وَلَا تُثْمِرُ بِدُونِ ذَلِكَ المَدَدِ، وَالنَّهَارُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِوُجُودِ الشَّمْسِ، وَاللَّيْلُ كَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِغِيَابِهَا وَكُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ لَا يَكُونُ فِعْلُهُ، وَعِلَّةُ وُجُودِهِ مِن ذَاتِهِ بَلْ بِمُدَبِّرٍ يُدَبِّرُهُ وَقَادِرٍ يَمُدُّهُ، فَتَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الفَوَانِي، لِأَنَّهَا لَيْسَت بِقَادِرَةٍ وَكُلَّمَا كَانَ مَقْدُوراً عَلَيْهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ هَالِكٍ وَفَانٍ، لِأَنَّ الحَرَكَةَ وَالفِعْلَ لِغَيْرِهِ لَا لَهُ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ تَكُونُ جَمِيعُ الأَشْيَاءِ عَاجِزَةً وَهَالِكَةً وَفَانِيَةً أَي بِغَيْرِ قُدْرَةٍ وَهُوَ تَعَالَى الدَّائِمُ القَادِرُ البَاقِي سُبْحَانَهُ.
ثُمَّ قَالَ عَزَّ عِزُّهُ فِي الدُّعَاءِ: (لَمْ يَخْلُ مِنْكَ مَكَانٌ فَتُدْرَكَ بِأَيْنِيَّةٍ)، فَالمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ خَلَا مِنْهُ مَكَانٌ لَثَبَتَ أَنَّهُ فِي غَيْرِهِ مِنَ الأَمْكِنَةِ فَيَحْصُلُ حِينَئِذٍ إِدْرَاكُهُ بِالأَيْنِيَّةِ وَهِيَ الأَيْنُ، وَهُوَ المَكَانُ الَّذِي يُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ: أَيْنَ فُلَانٌ؟ فَالجَوَابُ فِي مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا وَهَذَا مَا لَا يَجُوزُ عَلَى البَارِي سُبْحَانَهُ، لِأَنَّهُ جَلَّ أَن يُخْلِيَ حَيِّزاً وَيَشْغَلَ غَيْرَهُ، بَلْ هُوَ حَاضِرٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَلِذَلِكَ يُنْفَى إِدْرَاكُ الأَيْنِيَّةِ عَنْهُ، وَلَا يُعْرَفُ بِهَا وَلَا يُنْسَبُ إِلَيْهَا أَصْلًا.




