وَأَنْتَ قَدْ جَعَلْتَهُ قِسْمَيْنِ بِوَصْفِكَ وَقَوْلِكَ: وَعَبَدْتَ الشَّخْصَ الظَّاهِرَ وَتَرَكْتَ الْغَيْبَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ، وَأَنْتَ أَيُّهَا الشَّيْخُ كَأَنَّكَ مَا تَحَقَّقْتَ الْغَيْبَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ [أَيُّ شَيْءٍ](1) هُوَ؟ وَهَذَا سُوءُ ظَنٍّ مِنْكَ وَتُهْمَةٌ اتَّهَمْتَنِي بِهَا.
وَأَنَا بِعَوْنِ اللَّه أَبَيِّنُ فَسَادَ ظَنِّكَ، فَأَمَّا أَنَا مُعْتَقِدٌ أَنّ الْمَعْنَى أَحَدٌ فَرْدٌ صَمَدٌ جَوْهَرٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالْمُعْجِزِ الَّذِي لَا يَأْتِي أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ بِمِثْلِهِ وَهُوَ أَمِيرُ النّحْلِ عَزَّ عِزُّهُ بِذَاتِهِ، وَالْغَيْبُ الَّذِي لَا يُدْرَكُ هُوَ أَمْرُهُ وَإِرَادَتُهُ وَعِلْمُهُ الَّذِي لَا يُحِيطُ بِهِ اسْمٌ وَلَا بَابٌ، فَكَيْفَ يُحِيطُ بِهِ بَشَرِيٌّ مَخْلُوقٍ؟
وَبِهَذَا اسْتُدَلَّتِ الْعَوَالِمُ عَلَى وُجُودِهِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مَرْئِيٌّ بِذَاتِهِ، وَعِلْمُهُ هُوَ الْغَيْبُ الَّذِي لَا يُحَاطُ، وَهُوَ الْأَمْرُ النَّازِلُ الَّذِي لَا تَقَعُ عَلَيْهِ الْأَبْصَارُ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَفْكَارُ، وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْحُرُوفِ وَلَا يُحَسُّ وَلَا يُلْمَسُ، وَأَمَّا مَا شَاهَدَتْهُ الْعَيْنُ اللَّحْمِيَّةُ الدَّمَوِيَّةُ فَلَيْسَ هُوَ صُورَةٌ، وَلَا حِجَابٌ وَلَا هُوَ جِسْمٌ يَلْبَسُهُ الْمَعْنَى وَلَا هُوَ شَيْءٌ يُلْمَسُ بِيَدٍ، وَلَا لَهُ فَيْءٌ يُرَى مِثْلُ فَيْءِ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا هُوَ شَخْصٌ يَمْشي عَلَى الْأَرْضِ وَتُظِلُّهُ السَّمَاءُ، بَلْ هُوَ عِلَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْمَعَارِفِ




