فَيَكُونُ كَالمُسْتَثْنَى وَالمُعَانِدِ فَكَيْفَ يُمْهِلُهُ الحَقُّ سُبْحَانَهُ عَلَى كُفْرِهِ وَعِنَادِهِ وَتَكَبُّرِهِ وَتَسَلُّطِهِ عَلَى الآدَمِيِّينَ.
فَأَقُولُ: إِنَّ الحِكْمَةَ فِي ذَلِكَ إِنَّ التَّجَبُّرَ وَالتَّسَلُّطَ مِنَ الأَبَالِسَةِ وَالمُتَكَبِّرِينَ وَمَنْ يَقُومُ بِهَذَا الحَالِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ ذُنُوبِ العِبَادِ، وَمُخَالَفَتِهِمْ بَارِيَهُمْ بِتَرْكِ أَوَامِرِهِ وَأَخْذِ نَوَاهِيهِ وَتَحْلِيلِ الحَرَامِ وَارْتِكَابِ الآثَامِ، وَالتَّقْصِيرِ فِي الحُقُوقِ وَالمُكَابَرَةِ وَالعُقُوقِ، فَتَتَوَلَّدُ مِنْ ذَلِكَ الجَبَابِرَةُ وَتَتَسَلَّطُ عَلَيْهِمْ لِيُعَاقِبُوا بِمَا اكْتَسَبُوا عَلَى أَيْدِي الظَّالِمِينَ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الظَّالِمَ سَيْفُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ يَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ عِبَادِهِ ثُمَّ يُعَاقِبُهُ وَيُعَاقِبُهُمْ.
وَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾1، أَيْ أَهْلَ القَرْيَةِ وَهُمْ جَمَاعَةٌ ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾2 بِأَمْرِنَا وَهُوَ إِقَامَةُ الحُدُودِ وَالحُقُوقِ وَتَرْكُ النَّوَاهِي وَالعُقُوقِ ﴿فَفَسَقُوا فِيهَا﴾3 أَيْ بِالأَوَامِرِ، لِأَنَّ الفِسْقَ هُوَ مُخَالَفَةُ الدِّيَانَةِ فِي البَاطِنِ وَالفَاسِقُ هُوَ الَّذِي يَتَظَاهَرُ بِالدِّيَانَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لَهَا بَاطِناً، وَقَوْلُهُ: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القَوْلُ﴾4 أَي الجَمَاعَةُ لِفِسْقِهِمْ فَثَبَتَ عَلَيْهِمُ التَّدْمِيرُ بِفِعْلِهِمُ النَّكِيرِ ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾5.




