وَأَمَّا إِبْلِيسُ ( لَعَنَهُ اللهُ )، فَإِنَّهُ كَثِيرٌ مَا ذُكِرَ أَنَّهُ مِنَ الكَوْنِ النَّارِيِّ وَهَذَا سِتْرٌ وَإِنَّمَا أَصْلُهُ وَعُنْصُرُهُ كَوْنُ الِاعْتِرَاضِ وَالرَّدِّ عَلَى الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَأَصْلُهُ الكِبْرُ وَالعُجْبُ وَالأَنْفَةُ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ نَاراً لِحِدَّتِهِ وَشِدَّةِ عُنْفُوَانِ العُجْبِ وَالكِبْرِ اللَّذَيْنِ أَوْجَبَا الأَنْفَةَ وَالِاعْتِرَاضَ وَاسْتِيلَاءَ الظُّلْمَةِ عَلَى النُّفُوسِ، لِأَنَّ كُلَّ حَدٍّ وَقَاسٍ يُسَمَّى نَاراً وَلِذَلِكَ يُسَمَّى المَهْدِيُّ عَزَّ عِزُّهُ نَارَ الجَحِيمِ وَقَالَ شَيْخُنَا الخَصِيبُ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ : أَنَا نَارٌ عَلَيْهِمِ ابْنُ خَصِيبِ.
وَلَا نَقُولُ: إِنَّ الكَوْنَ النَّارِيَّ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الأَيْتَامِ يَخْرُجُ مِنْهُ هَكَذَا قَتَامٌ، بَلِ الوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَقْرُوناً بِمَا يُشْبِهُهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وَيُنَاسِبُهُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا أَوْرَدْنَاهُ، أَنَّ الأَرْوَاحَ قَبْلَ خَلْقِ الأَبْدَانِ رَأَتْ مَا لَدَيْهَا مِنَ الكَرَامَةِ وَالشَّرَفِ وَظُهُورِ مَوْلَاهُمْ عَزَّ عِزُّهُ بَيْنَهُمْ وَأَهْلِ عَوَالِمِ قُدْسِهِ فَعَارَضَهُمْ خِيَالُ العُجْبِ المَنْسُوبِ إِلَى كَدَرِ الطِّينِيَّةِ فَقَالُوا: هَلْ خَلَقَ اللهُ خَلْقاً أَشْرَفَ وَأَكْرَمَ مِنَّا؟ فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ ذَنْبٍ أَذْنَبُوهُ، وَأَصْلُهُ الكِبْرُ وَالعُجْبُ الَّذِي فِي النُّفُوسِ.
فَخُلِقَ مِنْ ذَلِكَ الذَّنْبِ إِبْلِيسُ ضِدّاً مُقَارِناً لَهُمْ وَأَوْصَاهُمُ الحَقُّ بِعَدَمِ اطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَأَنْ لَا يُخْبِرُوهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَأَقَامُوا زَمَاناً فَحُرِّكَ مَعَهُ الكِبْرُ وَالعُجْبُ إِذْ هُوَ أَصْلُهُ وَمَعْدِنُهُ وَافْتَخَرَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَتْهُمْ لِذَلِكَ الغَيْرَةُ




