وَكَانَ مِنْ إِشْرَاقِ الكَوْنِ الهَوَائِيِّ حَرَكَاتُهُمْ وَسَيْرُهُمْ وَقُوَّتُهُمْ وَذَهَابُهُمْ وَأَنْفَاسُهُمُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِي أَجْسَامِهِمْ، وَهُوَ هَوَاءٌ دَاخِلٌ خَارِجٌ قَابِضٌ بَاسِطٌ حَارٌّ بَارِدٌ مُمْتَزِجٌ مُعْتَدِلٌ، وَبِاعْتِدَالِهِ تَمْتَدُّ الرُّوحُ بِالرَّاحَةِ وَتَنْشَطُ الأَبْدَانُ وَلَوْلَا ذَلِكَ الرِّيحُ مَا تَنَفَّسَ وَلَا ذَهَبَ وَلَا التَهَبَتِ النَّارُ فِي المَعِدَةِ وَلَا خَرَجَ التَّفَلُ مِنَ البُطُونِ.
وَكَانَ مِنْ إِشْرَاقِ الكَوْنِ المَائِيِّ فِي الأَجْسَامِ اللَّيِّنَةِ وَالعُطَاسِ وَالدُّمُوعِ وَالرِّيقِ، فَلَوْلَا بُرُودَةُ المَاءِ فِي الأَجْسَامِ لَأَحْرَقَتْهُمُ النَّارُ الَّتِي فِي المَعِدَةِ، فَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَجِدُونَ لَذَّةَ الطَّعَامِ وَالأَصَحِّ (لَذَّةُ الطَّعْمِ) وَالذَّوْقِ بِالمَاءِ.
وَكَانَ مِنْ إِشْرَاقِ الكَوْنِ النَّارِيِّ النَّارِيَّةُ فِي الأَجْسَامِ فَهِيَ تُنْضِجُ مَآكِلَهُمْ وَمَشَارِبَهُمْ وَتَنْفُذُهَا بِالحَرَارَةِ وَتَسَلْسُلِ الأَجْسَادِ وَلَوْلَا إِشْرَاقُ الكَوْنِ النَّارِيِّ لَمَا نَضِجَ طَعَامٌ وَلَا شَرَابٌ، وَكَانَ مِنَ الكَوْنِ التُّرَابِيِّ إِقَامَةُ الأَجْسَامِ وَاللُّحُومِ وَالعِظَامِ وَالعُرُوقِ وَالجُلُودِ وَالشَّعْرِ.
فَإِذَا فُرِّقَ بَيْنَ الرُّوحِ وَالجَسَدِ رُدَّتِ الأُصُولُ إِلَى مَبَادِيهَا وَعَادَتِ الأَجْسَامُ إِلَى التُّرَابِ لِأَنَّ الجِسْمَ أَصْلُهُ وَكَوْنُهُ تُرَابٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ وَمِنْهَا يَخْرُجُ لَهُ غِذَاؤُهُ وَقُوَّتُهُ، فَالأَعْضَاءُ فِي بَنِي آدَمَ بِمَنْزِلَةِ الشَّجَرِ




