النُّورِيِّ الَّذِي يُقَابِلُهُ الكَائِنُ عَنْ ظِلِّهِ قَدَدًا، سَلِمَ وَاعْتَدَلَ وَمَنْ لَمْ يَقْبَلِ الإِشْرَاقَ خَمَدَتْ حَرَكَتُهُ وَعَطِلَتْ آلَتُهُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ مَا تَرَى مِنْ فَسَادِ الطَّبَائِعِ فِي الأَبْدَانِ فَيَحْصُلُ مِنْهُ فَسَادٌ فِي الأَبْدَانِ، كُلُّ ذَلِكَ لِعَدَمِ قَبُولِ الإِشْرَاقِ لِأَنَّهُ لَوْلَا المَدَدُ وَالإِشْرَاقُ الحَاصِلُ مِنْ تِلْكَ الأَكْوَانِ النُّورَانِيَّةِ المُسْتَفَادُ مِنْ وَاهِبِ الجُودِ وَمَفِيضِ الخَيْرِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ لِهَذِهِ الأَكْوَانِ الأَرْضِيَّةِ، لَمَا اسْتَقَامَتْ عَلَى حَالٍ وَلَا ظَهَرَ لَهَا أَفْعَالٌ، بَلْ لَمْ تَزَلْ تَأْثِيرَاتُ الأَعْلَى ظَاهِرَةً فِي الأَدْنَى مَا دَامَ مُسْتَعِدًّا لِقَبُولِ الوَارِدِ عَلَيْهِ مِنْ أَصْلِهِ وَعُنْصُرِهِ.
وَبَيَانِ ذَلِكَ: أَنَّكَ تَرَى مِنْ إِشْرَاقِ الكَوْنِ النُّورِيِّ النُّورَ الَّذِي فِي نَوَاظِرِ المَخْلُوقِينَ فَيُبْصِرُونَ بِهِ كُلَّ شَيْءٍ فِي الكَوْنِ، مِمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ النَّظَرُ فَلَوْلَا إِشْرَاقُ النُّورِ الأَصْلِيِّ وَاسْتِعْدَادُ ذَلِكَ النُّورِ الكَوْنِيِّ الكَائِنِ فِي الأَعْيُنِ لِقَبُولِ فَيْضِ الإِشْرَاقِ، لَمَا أَبْصَرُوا شَيْئًا فِي الكَوْنِ وَكَانَ مِنْ فَيْضِ إِشْرَاقِ الكَوْنِ الجَوْهَرِيِّ تَجَوْهَرَ قُلُوبُهُمْ، فَأَشْرَقَ عَنْهُ الفَهْمُ وَالحِفْظُ وَالفِكْرُ وَالتَّمْيِيزُ وَالإِشْرَاقُ فِي القُلُوبِ، إِذَا القَلْبُ بِلَا عَيْنَيْنِ وَلَا أُذُنَيْنِ وَلَا فَمٍ وَلَا لِسَانٍ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَشْيَاءَ بِجَوْهَرِهِ، وَيُحِيطُ بِهَا فَهْمًا، وَلَوْلَا قَبُولُهُ لِلْإِشْرَاقِ لَمَا أَدْرَكَ شَيْئًا وَلَا حَفِظَ وَلَا فَهِمَ شَيْئًا وَهُوَ مَلِكُ الجَسَدِ، وَالحَوَاسُّ جَمِيعًا رَعِيَّتُهُ وَمُؤْتَمِرُونَ لَهُ فِي كُلِّمَا يُرِيدُهُ مِنْ غَيْرِ نُطْقٍ بَلْ بِالإِرَادَةِ فَقَطْ.




