الفَصْلُ الأَوَلُ
فَأَوَّلُ مَا نَذْكُرُ الْأَقْوَالَ الَّتِي يَتَفَوَّهُونَ بِهَا عَلَى الْمَيْلِ بِدُونِ قَرِيْنٍ وَلَا دَلِيْلٍ وَلَا اعْتِنَاءٍ بِنَظَرٍ وَلَا تَدْقِيْقٍ عَنْ أَثَرٍ وَلَا تَوْفِيْقٍ عَنْ خَبَرٍ بَلْ هُوَ تَلْفِيقٌ يُورِثُ الضَّجَرَ وَالتَّعْوِيقَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ الْمَكْتُوبَ مَا مِنْهُ مَهْرُوبٌ، وَالَّذِي كَتَبَه اللهُ عَلَى الْإِنْسَانِ لَا بُدَّ مِنْ وُصُولِهِ إِلَيْهِ وَلَا يُمْحَى عَنْهُ، وَالَّذِي قُدِّرَ عَلَيْهِ مِنَ الْأَزَلِ سَيَنْفُذُ بِلَا مَحَالَةٍ وَلَا يَنْمَحِي أَبَداً، وَالْأَجَلُ مَحْتُومٌ وَالرِّزْقُ مَقْسُومٌ وَالَّذِي قَسَمَه اللهُ لَه وَكَتَبَه وَقَدَّرَهُ عَلَيْهِ يَصِلُ إِلَيْهِ إِنْ جَدَّ وَتَعِبَ وَإِنْ لَمْ يَسْعَ وَيَتْعَبْ وَلَا يَنَالُ أَحَدٌ إِلَّا نَصِيْبَه وَقِسْمَتَه الْمَقْسُومةَ لَه.
وَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَه يَوْمٌ مَعِيْنٌ مُنْذُ خَلْقٍ لَا يَتَجَاوَزُه إِنْ عَمِلَ خَيْراً وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ وَإِنْ تَصَدَّقَ وَإِنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ وَإِنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا كُتِبَ مِنَ الْبَدْءِ سَعِيْداً فَهُوَ سَعِيْدٌ وَإِنْ كُتِبَ شَقِيّاً فَهُوَ شَقِيٌّ، إِنِ اقْتَرَفَ سَيِّئَاتٍ أَوْ حَسَنَاتٍ خَيْراً عَمِلَ أَوْ شَرّاً ،وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ كَثِيْرٌ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَشْمَئِزُّ مِنْهَا النُّفُوسُ وَتَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ مَعَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا بِهَا الْبَارِي وَالْعِيَاذُ بِاللهِ مِنَ الظُّلْمِ وَعَدَمِ الْمُجَازَاةِ وَحَصْرِ الْقُدْرَةِ وَإِهْمَالِ الْأَعْمَالِ وَتَرْكِ الْعَالَمِ بِدُونِ حِسَابٍ.




