الأَذْهَانِ حَتَّىٰ تُبْرِزَهَا الأَلْفَاظُ فِي صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ يُقَالُ لَهَا صُورَةُ الحَالِ وَصُورَةُ القَضِيَّةِ وَصُورَةُ المَطْلُوبِ؟ فَإِذَا تَشَخَّصَ الحَالُ وَالقَضِيَّةُ وَالمَطْلُوبُ فِي صُورَةٍ لِلسَّامِعِ رَأَىٰ وَنَظَرَ مَا أَرَادَهُ المُخَاطِبُ هُنَاكَ وَاعْلَمْ بِأَنَّ السَّادَاتِ المُتَقَدِّمِينَ مِنْ رِجَالِ هَٰذَا البَيْتِ أَسَّسُوا بُنْيَانَهُمْ عَلَىٰ مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ، وَلَمْ يَزَالُوا فِي التَّدْقِيقِ وَالتَّحْقِيقِ حَتَّىٰ فَصَلُوا حَضْرَةَ الذَّاتِ مِنْ حَضْرَةِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَأَلْقَوْا عَلَىٰ كُلِّ ذَاتٍ مَعْنَوِيَّةٍ صُورَةً تَكُونُ عَلَامَةً عَلَيْهَا وَدَلِيلاً إِلَيْهَا فَصَارَ عَنْهُمُ الرُّوحُ صُورَةً وَالبَاطِلُ صُورَةً وَالجَنَّةُ صُورَةً وَالنَّارُ صُورَةً وَآدَمُ صُورَةً وَإِبْلِيسُ صُورَةً وَالجَانُّ صُورَةً وَالإِنْسُ صُورَةً، وَهَٰكَذَا فِي كُلِّيَّاتِ مَا يُعْلَمُ وَجُزْئِيَّاتِ مَا يُرَىٰ، وَأَنَّهُ مَتَىٰ أَشَارَ المُشِيرُ إِلَىٰ مَعْنًى وَهْمِيٍّ أَوْ حَدَثِيٍّ فِي كَلَامٍ لَفْظِيٍّ عَقْلِيٍّ أَوْ جِسْمِيٍّ فِي غَيْرِ صُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَ أَهْلِ المَعْرِفَةِ حَتَّىٰ يَتَصَوَّرَ وَيَجْرِيَ فِي التَّصْدِيقِ وَتُكَيِّفَهُ الحُدُودُ وَتَتِمَّ مَاهِيَّتُهُ فِي الذِّهْنِ، فَهُنَاكَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِنَفْيٍ أَوْ إِثْبَاتٍ.
ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الغَايَةَ المَعْبُودَةَ إِذَا كَانَتْ عِنْدَ المَحْجُوبِينَ مَمْدُوحَةً بِصِفَاتِ الغَيْبِ، فَإِنَّهَا عِنْدَ العَارِفِينَ مَمْدُوحَةٌ بِالوُجُودِ وَالعِيَانِ، إِذِ العِيَانُ أَثْبَتُ وَأَوْلَىٰ بِالعِبَادَةِ وَالمَدْحِ وَأَوْكَدُ فِي التَّحْقِيقِ فَإِنَّهُ مَنْ عَبَدَ مَا لَا يَرَىٰ لَمْ يَعْبُدْ شَيْئاً، وَمَنْ عَبَدَ مَجْهُولاً وَقَعَ عَلَىٰ مَجْهُولٍ، وَمَنْ عَبَدَ غَائِباً لَا يَعْرِفُهُ لَمْ تَتَمَيَّزْ عِبَادَتُهُ ثَوَاباً وَلَمْ يُحْدِثْ تَقْصِيرُهُ عِقَاباً إِذْ مَعْبُودُهُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ عِنْدَهُ فَإِنَّ المَعْبُودَ القَائِمَ بِالصُّورَةِ




