يَجْتَمِعَانِ: حُضُورٌ وَغَيْبَةٌ، وَظُهُورٌ وَخَفَاءٌ؟ قُلْنَا لَهُ: لَقَدْ أَوْرَدْتَ مَا اشْتَكَلَ عَلَيْكَ وَالجَوَابُ عَنْهُ سَهْلٌ بِتَوْفِيقِ اللّٰهِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الأَخُ المُعْتَرِضُ وَفَّقَكَ اللّٰه لِطَاعَتِهِ وَأَوْصَلَكَ بِهِدَايَتِهِ إِلَى حَقِيقَةِ مَعْرِفَتِهِ: أَنَّ البَارِيَ تَعَالَى ظَاهِراً أَبَداً مَوْجُوداً سَرْمَداً لَا يَحْجُبُهُ شَيْءٌ لِعَظَمَةِ كِبْرِيَائِهِ، فَلَوْ حَجَبَهُ شَيْءٌ لَكَانَ أَكْبَرَ مِنْهُ وَذَٰلِكَ مَدْفُوعٌ عَقْلًا وَشَرْعاً؛ لِأَنَّ اللّٰهَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُقَالَ لَهُ: اللّٰه أَكْبَرُ، وَمِنْ بَعْضِ صِفَاتِهِ النُّورُ وَهُوَ مُنَوِّرُ النُّورِ، وَبِالنُّورِ يَظْهَرُ كُلُّ مَسْتُورٍ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ اخْتِفَاءُ النُّورِ؟ وَإِنَّمَا خَفِيَ عَنِ المَحْجُوبِينَ عَنْهُ بِعَيْنِ فَأَظْهَرَ لِلْمُشَاهِدِينَ لَهُ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ وَإِفْرَاطِ إِشْرَاقِ نُورِهِ وَإِنَّمَا المَحْجُوبُونَ هُمُ المُغَيَّبُونَ عَنْهُ بِذُنُوبِهِمُ الَّتِي رَانَتْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَأَغْشَتْ أَبْصَارَهُمْ وَلَوْلَا ذَٰلِكَ لَشَاهَدَتْ بَارِئَهَا، فَإِنَّهُ تَعَالَى بِالإِجْمَاعِ يُرَى فِي الآخِرَةِ، وَقَدْ قَالَ فِي حَقِّ بَعْضِ الخَلَائِقِ: ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾(1) وَلَمْ يَقُلْ أَنَّ رَبَّهُمْ مُحْتَجِبٌ عَنْهُمْ بَلْ تَحْجُبُهُمْ عَنْهُ ذُنُوبُهُمْ، فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَالَى مُنِيرُ الأَنْوَارِ وَمِثَالُ المَحْجُوبِ كَمِثَالِ الخُفَّاشِ مَعَ إِشْرَاقِ الشَّمْسِ عَلَى الآفَاقِ بِالعَدْلِ، فَهُوَ لِضَعْفِ بَصَرِهِ لَا يَرَاهَا وَكَذَٰلِكَ كُلُّ مَا لَيْسَ فِيهِ صَفَاءٌ وَاسْتِعْدَادٌ لِقَبُولِ إِشْرَاقِهَا، مِنْ كُلِّ كَثِيفٍ مُظْلِمٍ فِي ذَاتِهِ كَالحَجَرِ وَالمَدَرِ وَالجِدَارِ، فَإِنَّهُ لَا يُنِيرُ وَلَا
1سورة المطففين الآية 14-15




