وَأَمَّا خَوَاصُّهُمْ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الإِقْرَارُ بِإِثْبَاتِ الصُّورَةِ المَعْنَوْيَةِ الأَيْنِيَّةِ الَّتِي أَظْهَرَتِ القُدْرَةَ البَاهِرَةَ بِالكِيَانِ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَأَوَانٍ، وَنَفْيِ الصُّورَةِ الأَيْنِيَّةِ الَّتِي يَحْوِيهَا المَكَانُ وَتُدْرِكُهَا الأَبْصَارُ بِالعِيَانِ عِنْدَ إِظْهَارِ القُدْرَةِ الَّتِي أَعْجَزَتِ الأِنْسَ وَالجِنَّ فِي الإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ مَنْ هَٰذِهِ قُدْرَتُهُ لَيْسَتْ هَٰذِهِ صُورَتُهُ عَلَى الحَقِيقَةِ فَهَٰذَا هُوَ الإِيمَانُ
وَأَمَّا خَوَاصُّ الخَوَاصِّ فَإِنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ الحَقَّ جَلَّ جَلَالُهُ عَنِ الصُّورَةِ وَالتَّصْوِيرِ فِي كُلِّ حِينٍ وَأَوَانٍ، وَعَنِ الغَيْبَةِ وَالحُضُورِ فِي كُلِّ دَهْرٍ وَزَمَانٍ، وَأَنَّهُ الحَيُّ القَيُّومُ الدَّائِمُ السَّرْمَدِيُّ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ وَإِنْ ظَهَرَ لِعِيَانِهِ، فَهُوَ أَبَداً عَلَى حَالِهِ لَمْ يَحُلْ عَمَّا كَانَ، وَإِنَّمَا غَيَّبَ الأَبْصَارَ وَقَلَّبَ القُلُوبَ وَالأَفْكَارَ كَمَا شَاءَ، فَرَأَتْ غَيْبَةً وَحُضُوراً وَحُجْباً وَظُهُوراً، وَالمَعْنَى القَدِيمُ تَعَالَى مَا حَالَ وَلَا زَالَ: مَتَى حَضَرَ حَتَّى غَابَ وَمَتَى غَابَ حَتَّى يَظْهَرَ؟ يُؤَيِّدُ ذَٰلِكَ وَيُوَضِّحُهُ مَا رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا عَزَّ عِزُّهُ أَنَّهُ سُئِلَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ فَقِيلَ لَهُ: أَيْنَ كَانَ اللّٰه قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ؟ فَقَالَ: بِحَيْثُ هُوَ بَعْدَ خَلْقِ الكَوْنِ لَا يُعْدَمُ فِي الأَزْمَانِ فَالكَوْنُ جَمِيعُهُ يَتَجَدَّدُ فِي كُلِّ أَوَانٍ وَيَتَبَدَّلُ دَائِماً وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يَحُولُ لَا يَزُولُ وَلَا يَتَبَدَّلُ، ثُمَّ قَالَ صَاحِبُ كِتَابِ "التَّنْبِيهِ": فَإِنِ اعْتَرَضَ عَلَيْنَا مُعْتَرِضٌ وَقَالَ: أَنْتُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ اللّٰهَ عَزَّ وَجَلَّ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ تَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ عَدَمُهُ، وَنَحْنُ الآنَ لَا نَرَى وَلَا نُشَاهِدُ شَيْئاً، فَكَيْفَ هَٰذَا وَهُمَا ضِدَّانِ لَا




