إِذًا البَارِي الحَكِيمُ يُعْطِي لِكُلٍّ صِفَتَهُ بِالتَّجَلِّي، أَيْ يَرَاهُ كُلٌّ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ وَصِفَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَغَيُّرٍ وَلَا انْتِقَالٍ وَلَا تَحَوُّلٍ وَلَا حَرَكَةٍ فِي ذَاتِ البَارِي، بَلْ يُقَدِّرُ الخَلْقَ أَنْ يَرَوْهُ بِمَا شَاءَ مِنَ الصُّوَرِ وَبِصِفَاتِهِمْ بِكَوْنِهِمْ
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾(1) فَالمَعْنَى القَدِيمُ العَلِيُّ العَظِيمُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَالِارْتِحَالِ؛ لِأَنَّ الحَرَكَةَ تُوجِبُ إِخْلَاءَ حَيِّزٍ وَإِشْغَالَ آخَرَ فَيَكُونُ مُتَحَيِّزاً وَبِالتَّالِي تَحْوِيهِ الأَمَاكِنُ، وَهَٰذَا مُحَالٌ، فَهُوَ خَالِقُ المَكَانِ وَمُحِيطٌ بِالكُلِّ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، فَهُوَ يُؤَثِّرُ وَلَا يَتَأَثَّرُ وَيُغَيِّرُ وَلَا يَتَغَيَّرُ وَيُزِيلُ وَلَا يَزُولُ وَلَا يَتَبَدَّلُ الدَّهْرُ يَوْمُهُ وَالكَوْنُ مُلْكُهُ وَفِي قَبْضَةِ قَهْرِهِ وَقَائِمٌ بِأَمْرِهِ وَقُدْرَتِهِ
وَبِذَٰلِكَ اقْتَضَى الأَمْرُ وَالحَالُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ التَّنْزِيهُ وَالتَّجْرِيدُ وَالتَّفْرِيدُ وَالتَّوْحِيدُ فَالتَّنْزِيهُ أَنْ تُنَزِّهَ البَارِي القَدِيمَ أَمِيرَ النَّحْلِ عَنْ صِفَاتِ البَشَرِ الثَّلَاثَةِ الخَمْسَاتِ، وَتُوقِعَ الصِّفَةَ بِالنَّاظِرِ وَالجِنْسِ وَلَيْسَ بِالذَّاتِ العَلِيَّةِ، وَتُثْبِتَ الجَوْهَرَ الفَرْدَ فَكَيْفَ يَجُوزُ بِحُكْمِ العَقْلِ أَنَّ مَنْ يُحْيِي الأَمْوَاتَ وَيُمِيتُ الأَحْيَاءَ وَيَرُدُّ الشَّمْسَ وَيَشُقُّ القَمَرَ وَيَعْلَمُ الغَيْبَ وَيُحَوِّلُ الأَشْيَاءَ عَنْ مَاهِيَّتِهَا لِوَقْتِهَا أَنْ يَكُونَ لَهُ صِفَةُ البَشَرِ وَالخَلْقِ العَاجِزِ، وَيَجْرِيَ عَلَيْهِ مَا هُوَ




