ذَلِكَ مَا جَهِلَ أَحَدٌ مَعْرِفَتَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا يُونُسُ إِنَّ الَّذِي رَأَيْتَهُ هُوَ بِكُلِّيَّتِهِ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا نِهَايَةَ لَهُ أَفَهِمْتَ عَنِّي يَا يُونُسُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وَاللّٰهِ مَا أَتَيْتُكَ إِلَّا أَنَا عَازِمٌ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَٰذَا الَّذِي أَخْبَرْتَنِي بِهِ فَتَبَسَّمَ وَقَالَ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّٰه ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(1) وَأَنْتَ يَا يُونُسُ قَدْ كُفِيْتَ وَهُدِيْتَ.
وَخُلَاصَةُ القَوْلِ فِي ذَٰلِكَ بِأَنَّ المَعْنَى القَدِيمَ العَلِيَّ العَظِيمَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ وَحَاشَا لِلّٰهِ أَنْ يَدْعُوَ الخَلْقَ إِلَى عِبَادَةِ الغَيْبِ أَوْ عِبَادَةِ الأَمْثِلَةِ وَالصِّفَاتِ، وَلِكَيْ يُعْرَفَ وَيُعْبَدَ بِذَاتِهِ لِإِظْهَارِ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ فِي الطَّائِعِينَ، وَعَدْلِهِ وَانْتِقَامِهِ فِي العَاصِينَ، وَحَتَّى لَا يَبْقَى لِلْخَلْقِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ شِعْراً:
لَوْ لَمْ يَكُنْ مَا بَيْنَ البَشَرْ | كَانَتْ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لِمَنْ كَفَرْ |
وَلِيَعْدِلَ عَلَى أَهْلِ البَشَرِ كَمَا عَدَلَ عَلَى أَهْلِ النُّورِ إِثْبَاتاً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾(2) وَالآيَاتُ هِيَ الظُّهُورَاتُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾(3)




