الأَيَّامِ جَالِساً وَمَعِي قَوْماً مِنْ إِخْوَانِي فِي مَسْجِدِي وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ إِلَىٰ أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَخَرَجْنَا لِنَتَجَهَّزَ لِلصَّلَاةِ وَعُدْنَا إِلَىٰ المَسْجِدِ إِذْ دَخَلَ عَلَيْنَا شَابٌّ حَسَنُ الوَجْهِ عَلَيْهِ أَطْمَارٌ نَظِيفَةٌ إِلَّا أَنَّهَا رَثَّةٌ وَفِي يَدِهِ نَعْلٌ عَرَبِيٌّ فَسَلَّمَ فَرَدَدْنَا السَّلَامَ فَقَالَ: أَفِيكُمْ مَنْ يَغْتَنِمُ مَثُوبَةً فَفِيَّ جَوْعَةٌ؟ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللّٰهِ اجْلِسْ فَجَلَسَ إِلَىٰ أَنْ صَلَّىٰ مَعَنَا المَغْرِبَ وَخَرَجْتُ مِنَ المَسْجِدِ وَيَدِي بِيَدِهِ فَأَتَيْتُ بِهِ إِلَىٰ مَنْزِلِي وَدَخَلْنَا فَوَجَدْتُ المَائِدَةَ قَدْ نُصِبَتْ لِأَنَّنِي كُنْتُ صَائِماً ذَٰلِكَ اليَوْمَ فَأَكَلْتُ وَكُنْتُ شَدِيدَ الجَوْعِ فَشُغِلْتُ عَنِ النَّظَرِ إِلَىٰ الرَّجُلِ فَأَشَارَ إِلَيَّ الغُلَامُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَنَظَرْتُ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا مِنَ الطَّعَامِ فَإِذَا بِهِ كَمَا قُدِّمَ لَنَا مَا نَالَ مِنْهُ شَيْئاً وَتَأَمَّلْتُ الرَّجُلَ فَإِذَا هُوَ بِغَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي دَخَلَ بِهَا عَلَيَّ إِلَىٰ المَسْجِدِ، فَهِبْتُهُ وَذَكَرْتُ نُورَ المَوَالِي عَزَّ عِزُّهُمْ وَاسْتَعَذْتُ بِهِ فِي نَفْسِي فَزَالَ عَنِّي ذَٰلِكَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ: يَا سَيِّدِي مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: رَجُلٌ عَرَفَ اللّٰهَ فَمَلَّكَهُ نَفْسَهُ وَعَتَقَ رَقَبَتَهُ، فَاجْتَهِدْ يَا سُدَيْرُ فِي خَلَاصِ نَفْسِكَ وَعِتْقِ رَقَبَتِكَ مِنْ هَٰذِهِ القُمُصِ البَشَرِيَّةِ اللَّحْمِيَّةِ الدَّمَوِيَّةِ فَتَكُونَ كَمَا قَالَ اللّٰه تَعَالَىٰ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾(1) عَلَىٰ المَعْرِفَةِ وَبِرِّ الإِخْوَانِ، وَعَمِلُوا بِتَوْحِيدِ اللّٰهِ ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَرَضُوا فِي اللّٰهِ، وَعَصَوُا الثَّانِي لَعَنَهُ اللّٰه وَتَبَرَّؤُوا مِنْهُ وَمِنْ أَشْيَاعِهِ وَأَنْفَقُوا فِي اللّٰهِ، وَأَطْعَمُوا فِي اللّٰهِ، وَوَاصَلُوا فِي اللّٰهِ، وَقَطَعُوا فِي اللّٰهِ، وَأَحَبُّوا فِي
1سورة فصلت الآية 30




