فَذَلِكَ تَصْدِيقٌ فِي المَنْظَرِ، وَتَكْذِيبٌ فِي نَفْسِ الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ، فَأَقَامَ عَالَمَ المِزَاجِ أَهْلَ الطَّبَائِعِ الطِّينِيَّةِ وَالهَيَاكِلِ البَشَرِيَّةِ فَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُدْرِكُوا اللَّطَائِفَ العَقْلِيَّةَ وَالبَسَائِطَ الجَوْهَرِيَّةَ إِلَّا عَلَى قَدْرِ القَوَابِلِ، وَتَفَاوُتِ المَنَازِلِ، لِأَنَّ هَذِهِ الأَعْيُنَ الشَّحْمِيَّةَ وَالحَوَاسَّ الكَدِرَةَ التُّرَابِيَّةَ الَّتِي تَرَاهُ مِنَ القُرْبِ وَالبُعْدِ وَالغُرُوبِ وَالإِشْرَاقِ وَالطُّلُوعِ وَالأُفُولِ فَهُوَ بِخِلَافِ رُؤْيَتِهَا لِأَنَّهَا لَا تُعَايِنُ وَلَا تُدْرِكُ إِلَّا بِقُوَّتِهَا فِي كَلَالَةِ عَجْزِهَا وَمِزَاجِهَا فِي حَدِّ عِلَّتِهَا فَلَا تَرَى إِلَّا نَظِيرَ صُورَتِهَا حَسَبَ اسْتِطَاعَتِهَا
وَاعْلَمْ أَيُّهَا الأَخُ الكَرِيمُ أَنَّ صِفَاتِ المِيمِ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: قَدِيمٍ مُحْدَثٍ، فَصِفَةُ القَدِيمِ غَيْرُ مُكَيَّفَةٍ وَلَا مَحْدُودَةٍ وَلَا مَرْئِيَّةٍ وَلَا يُشَارُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالصِّفَةِ المُشَاهَدَةِ بِالإِتِّصَالِ وَالحُدُودِ وَالجِهَاتِ الَّتِي هِيَ صُورَةُ الشِّينِ المُتَّحِدَةُ مِنْ بَدْءِ تَكْوِينِهِ، وَفِي الصُّورَةِ الظِّلِّيَّةِ ظَاهِرَةٌ نُبُوَّةً وَرِسَالَةً، وَبَاطِنُهُ اللّٰه الِاسْمُ الأَعْظَمُ، وَهُوَ لَا يُفَارِقُ ذَاتَ بَارِيهِ فِي سَائِرِ الأَكْوارِ وَالأَدْوَارِ، فَإِذَا أَرَادَ بَارِيهِ الأَزَلُ أَنْ يُشَرِّفَهُ وَيَظْهَرَ بِمِثْلِ صُورَتِهِ مِنْ دُونِ مُخَالَطَةٍ وَلَا مُمَازَجَةٍ غَيَّبَهُ تَحْتَ تَلَالِي نُورِ ذَاتِهِ وَحَجَبَهُ عَنِ العَالَمَيْنِ العُلْوِيِّ وَالسُّفْلِيِّ وَظَهَرَ كَهَيْئَتِهِ تَشْرِيفاً لَهُ، فَهَذَا مِمَّا اسْتَفَدْنَاهُ وَنَقَلْنَاهُ مِنْ عُيُونِ الكُتُبِ الأَصْلِيَّةِ وَمِنْ أَفْوَاهِ الفُقَهَاءِ المُوَحِّدِينَ، أَنَّهُ جَرَىٰ تَشْرِيفُهُ لِاسْمِهِ فِي أَرْبَعَةٍ وَخَمْسِينَ مَقَاماً الَّتِي تُسَمَّى الإِزَالَاتِ المِثْلِيَّةَ بِالصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ كَمَا هُوَ كَائِنٌ فِي




