قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْمُتَصَوِّفِينَ مُخَاطِباً إِخْوَانَهُ فِي الْمَقَامِ الثَّالِثِ: اعْلَمْ أَيُّهَا الْعَارِفُ وَأَنْتَ فِي هَذَا الْمَقَامِ رُوحَانِيٌّ لَطِيفٌ قَدْ أَشْرَقَتْ عَلَيْكَ شَمْسُ الْعِيَانِ وَأَقْبَلَتْ عَلَيْكَ بَشَائِرُ الْكَمَالِ وَهَبَّ عَلَيْكَ نَسِيمُ الْوِصَالِ وَكَشَفَ عَنْ قَلْبِكَ مِنَ الْحُجُبِ أَكْثَرَهَا وَأَكْثَفَهَا وَزَالَ عَنْ نَفْسِكَ مِنَ الْخُطُوطِ أَعْظَمُهَا وَأَقْبَحُهَا إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ حِجَابَ نَفْسِكَ حِجَاباً نُورَانِيّاً وَحُظُوظُهَا مَقْبُولَةٌ لِأَنَّ حُظُوظَهَا طَلَبُ رُؤْيَةِ الْحَقِّ وَالْمُشَاهَدَةِ وَالْوِصَالِ وَذَلِكَ مِنْ غَلَبَةِ الْعِشْقِ وَالشَّوْقِ وَالْهِيَامِ إِلَى قَوْلِهِ بَعْدَ شَرْحِهِ عَنِ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَأَمَّا الْفَنَاءُ الثَّالِثُ فَهُوَ هَلَاكُ الصِّفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأَحَدِيَّةِ وَهَذَا هُوَ الْفَنَاءُ الثَّالِثُ بِالْمُشَاهَدَةِ وَهُوَ عَيْنُ الْبَقَاءِ.
كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
فَيَفْنَى ثُمَّ يَفْنَى ثُمَّ يَفْنَى ثُمَّ يَفْنَى | وَكَانَ فَنَاؤُهُ عَيْنُ الْبَقَاءِ |
نَعَمْ إِذَا سَلَكَتْ تِلْكَ النَّفْسُ الْمُلْهَمَةُ مَسْلَكَهَا التَّرْتِيبِيَّ الْحَيَوِيَّ بِغَيْرِ تَغْيِيرٍ لِتَسْقُطَ بِهِ وَأَكْمَلَتْ مَا عَلَيْهَا كَمَلَ مَقَامُهَا الثَّالِثُ فَتَرْتَقِي بِكَمَالَاتِهَا وَحُسْنِ الْقِيَامِ بِوَظِيفَتِهَا إِلَى الْمَقَامِ الرَّابِعِ فَتُسَمَّى بِهِ النَّفْسُ




