إِلَى قَوْلِهِمْ وَالَّذِي نُسَمِّيهِ نَفْساً أَوْ نُفُوساً مِنْ حَيْثُ النَّفْسِيَّةِ هُوَ جَوْهَرٌ وَاحِدٌ كَمَا أَنَّ الْأَجْسَامَ مِنْ حَيْثُ الْجِسْمِيَّةِ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ أَفْعَالُهَا وَمَعَارِفُهَا إِلَى قَوْلِهِمْ وَالْأَنْفُسُ الْجُزْئِيَّةُ هِيَ أَنْوَارٌ مُضِيئَةٌ وَإِشْرَاقَاتٌ فَائِضَةٌ مِنَ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ مُنْبَثَّةٌ مِنْهَا فِي الْعَالَمِ سَارِيَةٌ بِالْأَجْسَامِ مِنْ لَدُنِ الْفَلَكِ الْمُحِيطِ إِلَى مُنْتَهَى مَرْكَزِ الْأَرْضِ.
وَاعْلَمْ يَا أَخِي بِأَنَّ نَفْسَكَ هِيَ إِحْدَى الْأَنْفُسِ الْجُزْئِيَّةِ وَهِيَ قُوَّةٌ مِنْ قِوَى النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ لَا هِيَ بِعَيْنِهَا وَلَا مُنْفَصِلَةٌ عَنْهَا كَمَا أَنَّ جَسَدَكَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ جِسْمِ الْعَالَمِ لَا هُوَ كُلُّهُ وَلَا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ وَبِالْجُمْلَةِ مَا مِنْ عُنْصُرٍ فِي الْإِنْسَانِ إِلَّا وَلِلنَّفْسِ فِيهِ ضُرُوبٌ مِنَ الْأَفْعَالِ وَفُنُونٌ مِنَ الْأَعْمَالِ، فَإِذَا قُلْنَا الْعَقْلُ الْكُلِّيُّ فَإِنَّا نَعْنِي بِهِ الْقُوَّةَ الْإِلَهِيَّةَ الْمُؤَيِّدَةَ لِلنَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ وَإِذَا قُلْنَا النَّفْسُ الْكُلِّيَّةُ فَإِنَّا نَعْنِي بِهَا نَفْسَ الْعَالَمِ بِأَسْرِهِ وَإِذَا قُلْنَا الطَّبِيعَةُ الْكُلِّيَّةُ فَإِنَّمَا نَعْنِي بِهَا قُوَّةَ النَّفْسِ الْكُلِّيَّةِ السَّارِيَةِ بِجَمِيعِ الْأَجْسَامِ الْمُدَبِّرَةِ لَهَا الْمُظْهِرَةِ بِهَا وَبِهَا أَفْعَالُهَا وَآثَارُهَا، وَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سَمَّى الدَّارَ الْآخِرَةَ الْحَيَوَانَ لِأَنَّهَا عَالَمُ الْأَرْوَاحِ وَمَعْدِنُ النُّفُوسِ وَالدُّنْيَا عَالَمُ الْأَجْسَامِ وَجَوَاهِرُهَا أَمْوَاتٌ بِطَبَائِعِهَا.




