وَعَنِ الْفَلَاسِفَةِ الصُّوفِيَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ بِالذُّلِّ وَالْفَنَاءِ عَرَفَ رَبَّهُ بِالْعِزِّ وَالْبَقَاءِ وَذَلِكَ بِسَبَبِ مُقَابَلَةِ مِرْآةِ الْعُبُودِيَّةِ لِمِرْآةِ الرُّبُوبِيَّةِ وَانْتِعَاشِ كُلٍّ فِي كُلٍّ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا: إِنَّ السَّمَواتِ وَالْأَرْضَ لَمْ تَسَعْنِي بَلْ يَسَعُنِي قَلْبُ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الدُّرَّةَ الْبَيْضَاءَ الْعَقْلُ وَالدُّرَّةَ الْحَمْرَاءَ النَّفْسُ فَالْعَقْلُ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ رُوحَانِيٌّ أَبْسَطُ مِنَ النَّفْسِ وَأَشْرَقُ مَا فِيهَا إِلَى قَوْلِهِ فَالنَّفْسُ جَوْهَرَةٌ رُوحَانِيَّةٌ عَلَّامَةٌ بِالْقُوَّةِ فَعَّالَةٌ بِالطَّبْعِ قَابِلَةٌ فَضَائِلَ الْعَقْلِ.
إِلَى قَوْلِهِ: وَالْأُمُورُ الْإِلَهِيَّةُ هِيَ الْعَقْلُ الْفَعَّالُ وَالنَّفْسُ الْكُلِّيَّةُ وَالْهَيُولَى الْأُولَى وَالصُّوَرُ الْمُجَرَّدَةُ فَالْعَقْلُ هُوَ مِنْ نُورِ الْبَارِي تَعَالَى وَفَيْضِهِ الَّذِي فَاضَ أَوَّلاً وَالنَّفْسُ هِيَ نُورُ الْعَقْلِ وَفَيْضُهُ الَّذِي أَفَاضَهُ الْبَارِي مِنْهُ وَاعْلَمْ يَا أَخِي إِنَّ النَّفْسَ جَوْهَرَةٌ رُوحَانِيَّةٌ حَيَّةٌ بِذَاتِهَا.
فَإِذَا قَارَنَتْ جِسْمًا مِنْ الْأَجْسَامِ صَيَّرَتْهُ حَيّاً كَمَا إِنَّ النَّارَ جَوْهَرَةٌ جُسْمَانِيَّةٌ حَارَّةٌ بِذَاتِهَا فَإِذَا جَاوَرَتْ جِسْماً مِنَ الْأَجْسَامِ صَيَّرَتْهُ حَارّاً مِثْلَهَا وَأَمَّا النَّفْسُ يَعْنِي الرُّوحَ فَهِيَ جَوْهَرَةٌ سَمَاوِيَّةٌ نُورَانِيَّةٌ حَيَّةٌ




