الْفَصْلُ الثَّالِثُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ
فِي تَعْلِيلِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَمْ يَزَلْ حَاضِراً مَوْجُوداً فِي كُلِّ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ وَالْحُدُودِ وَتَخْلِيصِ التَّنْزِيهِ الْمُجَرَّدِ مِنَ التَّشْبِيهِ اعْلَمْ يَا أَخِي أَنَّ اللَّهَ حَاضِرٌ مَوْجُودٌ لِكَوْنِهِ تَسْتَحِيلُ غَيْبَتُهُ كَمَا يَسْتَحِيلُ عَدَمُهُ فَلَا يَخْلُو مِنْهُ مَكَانٌ وَلَا يَحْرِمُ مِنْ عَدْلِهِ زَمَانٌ وَلَوْ خَلَتْ قُدْرَتُهُ مِنَ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ لَتَجَمَّدَتْ وَأَصْبَحَتْ بِلَا حَرَاكٍ وَتَلَاشَى الْكَوْنُ وَالْكِيَانُ.
وَإِلَيْكَ مَثَلاً وَاقِعاً بِالْإِنْسَانِ إِذَا فَقَدَتْ عَيْنُهُ نُورَهَا الْمُضِيءَ أَصْبَحَتْ خَرَاباً مُظْلِمَةً وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَاءِ الْجِسْمِ إِذَا خَلَتْ مِنْهُ مَادَّةُ الْحَيَاةِ وَالْجِسْمُ بِكُلِّيَّتِهِ إِذَا فَارَقَتْهُ لَطِيفَتُهُ الْمُقِيمَةُ لَهُ الْمُدَبِّرَةُ لِشَأْنِهِ عَادَ بِلَا حَرَاكٍ وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ لَوْ غَابَ عَنْهَا مُوجِدُهَا لَضَعُفَتْ وَتَلَاشَتْ وَخَرِبَ الْكَوْنُ وَالْكِيَانُ جَلَّ الصَّانِعُ الْحَكِيمُ أَنْ يُفْسِدَ صَنْعَتَهُ أَوْ أَنْ يُعَطِّلَ مُلْكَهُ وَالشَّاهِدُ عَلَى ذَلِكَ:




