الْفَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ
مِنْ قَوْلِ السَّائِلِ إِذَا نَزَّهْنَا الْبَارِيَ عَنِ الصِّفَتَيْنِ وَجَرَّدْنَاهُ عَنِ الرُّؤْيَتَيْنِ فَأَيْنَ نَجِدُ مَوْجُودَ الْوُجُودِ اعْلَمْ يَا أَخِي إِنَّ مَوْلَاكَ الْعَلِيَّ الْأَعْلَى لَمْ يَكُنْ يَظْهَرُ بِكَوْنِ الْأَبْشَارِ وَالْأَنْوَارِ لِيُحَاطَ بِهِ أَوْ يُدْرَكَ بِهِمَا بِكُلِّيَّتِهِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الَّذِي عَلَا فَوْقَ الْفَوْقِ فَلَا شَيْءَ يُقَارِنُهُ أَوْ يُدَايِنُهُ وَدَنَا قَرِيباً فَلَا عَيْنَ تَرَاهُ وَتَحْوِيهِ وَدَنَا بِلَا إِحَاطَةٍ وَسَمَا بِلَا حَدٍّ.
بَلْ ظَهَرَ بِكُلِّيَّةِ الذَّاتِ وَتَرَاءَى بِاخْتِلَافِ الصِّفَاتِ فَالذَّاتُ لَمْ تَزَلْ بِكَمَالِ أَبَدِيَّتِهَا وَالصِّفَاتُ زَائِلَةٌ بِاخْتِلَافِ أَلْوَانِهَا وَرَبُّ الْوُجُودِ فِي كُلِّ الْوُجُودِ ظَاهِرٌ بِبُطُونِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ بَاطِنٌ بِظُهُورِهِ بِكُلِّ مَكَانٍ وَلَدَى تَجْرِيدِ الذَّاتِ عَنِ الصِّفَاتِ لَا تُمْكِنُ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا يُصَوَّرُ بِالْحُدُودِ وَالْهَيْئَاتِ فَالْقَضِيَّةُ عَقْلِيَّةٌ تَبَاشَرَتْ بِالْمَعْقُولَاتِ وَلَا يَصِحُّ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْمَحْسُوسِ لِأَنَّهُ فَوْقَهُ إِلَّا مِنْ حَيْثُ الْإِشَارَةِ إِلَى الْقِدَمِ الْأَوَّلِ.
لِأَنَّ كُلَّ مَا دُونَ الْبَارِي مِنْ نَوْعَيْنِ قَدِيمٍ وَمُحْدَثٍ وَالذَّاتُ نَوْعٌ وَاحِدٌ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ ظَهَرَتْ لِلْعَالَمِينَ تَفْهِيماً وَتَعَالَتْ عَنْهُمَا تَعْظِيماً




