فرمقت (1) خديجة رمق الهوى ، ونزل بها دهش الجوى (2) ، وقالت : افتحي لهم الباب ، وأخبري ميسرة يعتد لهم المساند والوسائد ، فإني أرجو أن يكونوا قد أتوني بحبيبي محمد ، ثم قالت شعرا :
ألذ حياتي وصلكم ولقاكم | ولست ألذ العيش حتى أراكم | |
وما استحسنت عيني من الناس غيركم | ولا لذ في قلبي حبيب سواكم | |
على الرأس والعينين جملة سعيكم | ومن ذا الذي في فعلكم قد عصاكم (3) | |
فها أنا محسوب (4) عليكم بأجمعي | وروحي ومالي يا حبيبي فداكم | |
وما غيركم في الحب يسكن مهجتي | وإن شئتم تفتيش قلبي فهاكم |
قال صاحب الحديث : وبسط لهم ميسرة المجلس بأنواع الفرش فما استقر بالقوم الجلوس إلا وقد قدم لهم أصناف الطعام والفواكه من الطائف والشام ، فأكلوا وأخذوا في الحديث ، فقالت لهم خديجة من وراء الحجاب بصوت عذب ، وكلام رطب : يا سادات مكة أضاءت بكم الديار ، وأشرقت بكم الانوار ، فلعل لكم حاجة فتقضى ، أو ملمة(5 فتمضى ، فإن حوائجكم مقضية ، وقناديلكم مضيئة ، فقال أبوطالب رضي الله عنه : جئناك في حاجة يعود نفعها إليك ، وبركتها عليك ، قالت : يا سيدي وما ذلك؟ قال : جئناك في أمر ابن أخي محمد ، فلما سمعت ذلك غاب (6) رشدها عن الوجود ، وأيقنت بحصول المقصود ، وقالت شعرا :
بذكر كم يطفئ الفؤاد من الوقد | ورؤيتكم فيها شفا أعين الرمد | |
ومن قال : إني أشتفي (7) من هواكم | فقد كذبوا لو مت فيه من الوجد | |
وما لي لا أملا سرورا بقربكم | وقد كنت مشتاقا إليكم على البعد |
____________________
(1) رمق : أطال النظر.
(2) الجوى : شدة الوجد من حزن أو عشق.
(3) فيما أردتم عصاكم خ ل.
(4) محبوب خ ل.
(5) الملمة : النازلة الشديدة من نوازل الدنيا.
(6) غابت عن الوجود خ ل. وهو الموجود في المصدر.
(7) أشتكى لهواكم خ ل.




