بلغ الله بابني وقضيت الذي علي ، وتخوفت عليه الاحداث ، وأديته إليك كما تحبين ، قالت : ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك ، قالت : فلم تدعني حتى أخبرتها الخبر ، قالت : أفتخوفت عليه الشيطان؟ قلت : نعم ، قالت : كلا والله ما للشيطان عليه من سبيل وإن لابني لشأنا ، أفلا أخبرك خبره؟ قلت : بلى ، قالت : رأيته (1) حين حملت به أنه خرج مني نور أضاءت له قصور بصرى من الشام ، ثم حملت به فو الله ما رأيت حملا قط كان أخف ولا أيسر منه ، ثم وقع حين ولدته وإنه واضع يديه بالارض ، ورافع رأسه إلى السمآء ، دعيه عنك ، وانطلقي راشدة (2).
وروى الطبري في تاريخه عن شداد بن أوس قال : سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله يحدث عن نفسه ويذكر ما جرى له وهو طفل في أرض بني سعد بن بكر ، قال : لما ولدت استرضعت في بني سعد ، فبينا أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن وادمع أتراب (3) لي من لاصبيان نتقاذف بالجلة إذ أتاني رهط ثلاثة ، معهم طست من ذهب مملوة ثلجا ، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرابا حتى انتهوا إلى شفير (4) الوادي ، ثم عادوا إلى الرطه فقالوا : ما رابكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا ، هذا ابن سيد قريش وهو مسترضع فينا غلام يتيم ليس له أب ، فماذا يرد عليكم قتله؟ وماذا تصيبون من ذلك؟ ولكن إن كنتم لابد قاتليه فاختاروا منا أينا شئتم فاقتلوه مكانه ، ودعوا هذا الغلام ، فإنه يتيم ، فلما رأى الصبيان أن القوم لا يحيرون لهم جوابا (5) انطلقوا هرابا مسرعين إلى الحي يؤذنوهم ويستصرخونهم على القوم ، فعمد أحدهم فأضجعني إضجاعا لطيفا ، ثم شق ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا (6) ، ثم أخرج
__________________
(1) في المصدر والسيرة والتاريخ : رأيت.
(2) شرح نهج البلاغة 3 : 252 و 253 ، السيرة لابن هشام 1 : 173 177 ، تاريخ الطبرى 1 : 573 579.
(3) أتراب : أصدقاء. أومن ولد معه.
(4) شفير الوادى : ناحيته من أعلاه.
(5) أحار الجواب : رده.
(6) في المصدر : ولم اجد لذلك حسا.




