المتكلفين. فأنزل الله تبارك وتعالى : يا محمد «ولو شاء ربك لآمن من في الارض كلهم جميعا» على سبيل الالجاء والاضطرار في الدنيا ، كما يومنون عند المعاينة ورؤية البأس في الآخرة ، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا ولا مدحا لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ، ليستحقوا مني الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد ، «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» وأما قوله عزّ وجلّ : «وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله» فليس ذلك على سبيل تحريم الايمان عليها ، ولكن على معنى أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله ، وإذنه أمره لها بالايمان ، ما كانت مكلفة متعبدة وإلجاؤه إياها إلى الايمان عن زوال التكليف والتعبد عنها ، فقال المأمون : فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك «ص 352 - 353»
بيان : قال الطبرسي رحمه الله في قوله تعالى : «ولو شاء ربك» : (1) معناه الاخبار عن قدرة الله تعالى ، وأنه يقدر على أن يكره الخلق على الايمان كما قال : «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين» (2) ولذلك قال بعد ذلك : «أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» ومعناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الايمان ، مع أنك لا تقدر عليه لان الله تعالى يقدر عليه ولا يريده لانه ينافي التكليف ; وقوله تعالى : «وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله» معناه أنه لا يمكن أحدا أن يؤمن إلا بإطلاق الله له في الايمان ، وتمكينه منه ، ودعائه إليه بما خلق فيه من العقل الموجب لذلك; وقيل : إن إذنه ههنا أمره كما قال : «يا أيها الناس قد جائكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم» (3) وقيل : إن إذنه ههنا علمه ، أي لا تؤمن نفس إلا بعلم الله ، من قولهم : أذنت لكذا : إذا سمعته وعلمته ، وآذنته : أعلمته ، فتكون خبرا عن علمه تعالى بجميع الكائنات ، ويجوز أن يكون معناه إعلام الله تعالى المكلفين بفضل الايمان وما يدعوهم إلى فعله ويبعثهم عليه.
__________________
(1) يونس : 99.
(2) الشعراء : 4.
(3) النساء : 170.




