والذي أظنه - والله أعلم - أن أصل الخبر مما صدر عنه عليه السلام لكنه لم يخل عن تصرف المتصرفين فزادوا ونقصوا بما أخرجه عن استقامته الاصلية ، ويشهد على ذلك النسخ المختلفة العجيبة التي سينقلها المصنف رحمه الله فان النسخ يمكن أن تختلف بالكلمة والكلمتين والجلمة والجملتين لسهو من الراوي في ضبطه أو من الكاتب في استنساخه ، وأما بنحو الورقة والورقتين وخمسين سطراً ومائة سطر فمن المستبعد جداً ، الا أن يستند الى تصرف عمدي ، ومما يشهد على ذلك أيضاً الاندماج وعسر البيان الذي يشاهد في أوائل الخبر وأواسطه . والله أعلم . ط
( باب 4 )
( الخبر المشتهر بتوحيد المفضل بن عمر )
روى محمّد بن سنان قال : حدّثنا المفضّل بن عمر قال : كنت ذات يوم بعد العصر جالساً في الروضة بين القبر والمنبر ، وأنا مفكّر فيما خصَّ الله به سيّدنا محمّداً صلّى الله عليه وآله من الشرف والفضائل ، وما منحه وأعطاه وشرَّفه به وحباه (1) ممّا لا يعرفه الجمهور من الاُمّة ، وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطر مرتبته ، (2) فإنّي لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه فلمّا استقرَّ به المجلس إذا رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلّم ابن أبي العوجاء فقال : لقد بلغ صاحب هذا القبر العزَّ بكماله ، وحاز الشرف بجميع خصاله ، ونال الحظوة في كلّ أحواله ، فقال له صاحبه : إنّه كان فيلسوفاً ادَّعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى ، وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول ، وضلّت فيها الأحلام ، وغاصت الألباب على طلب علمها في بحار الفكر فرجعت خاسئات وهي حسير ، فلمّا استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء دخل الناس في دينه أفواجاً فقرن اسمه باسم ناموسه ، فصار يهتف به على رؤوس الصوامع في جميع البلدان ، والمواضع الّتي انتهت إليها دعوته ، وعلت بها كلمته ، ظهرت فيها حجّته برّاً وبحراً وسهلاً وجبلاً في كلِّ يوم وليلة خمس مرّات ، مردّداً في الأذان والإقامة ليتجدَّد في كلِّ ساعة ذكره ، لئلّا يخمل أمره . فقال ابن أبي العوجاء : دع ذكر محمّد - صلّى الله عليه وآله - فقد تحيَّر فيه عقلي ، وضلَّ في أمره فكري ، وحدِّثنا في ذكر الأصل الّذي يمشى به . ثمَّ ذكر ابتداء الأشياء وزعم أنَّ ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير ، ولا صانع له ولا مدبّر ، بل الأشياء تتكوَّن من ذاتها بلا مدبّر ، وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال .
بيان : الحوز : الجمع وكلُّ من ضمَّ إلى نفسه شيئاً فقد حازه . والحظوة بالضمّ والكسر وللحاء المهملة والظاء المعجمة : المكانة والمنزلة . والفيلسوف : العالِم . وخسأ
________________________
(1) أي أعطاه .
(2) الخطر : الشرف وارتفاع القدر والمرتبة .




