وَالْخُلَاصَةُ: أَنَّ رُؤْيَتَنَا مَحْسُورَةٌ بِسَبَبِ عِلَّةِ الْمِزَاجِ الدَّمَوِيِّ الْكَثِيفِ الَّذِي هو الحِجَابُ الْمَانِعُ لِرُؤْيَتِنَا، لِلصُّورَةِ الْأَنْزَعِيَّةِ بِصِفَاتِهَا فِي مَقَامِنَا وَحَالِنَا هَذَا كَمَا شَاهَدْنَاهَا فِي الظُّهُورِ الْآخَرِ وَالْأَوَّلِ فِي الذَّرْوِ الْأَوَّلِ عِنْدَمَا قَالَ تَعَالَىٰ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ، وَانْقِلَابُ الرُّؤْيَةِ لِعَالَمِ الطَّبْعِ الْبَشَرِيِّ هو المُشَارُ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾(1).
فَأَوَّلَ مَرَّةٍ كَانَ فِي عَالَمِ الظِّلَالِ قَبْلَ الْهُبُوطِ إِلَىٰ دَارِ الدُّنْيَا فَقَدْ كَانَتْ رُؤْيَتُنَا لَهُ بِصُورَتِهِ الْأَنْزَعِيَّةِ الَّتِي شَاهَدْنَاهَا فِي الظُّهُورِ الْآخَرِ وَبِذَاتِ الصِّفَاتِ الْمَرْئِيَّةِ أَوَّلًا ثُمَّ آخِراً، وَلَكِن بَعْدَ أَن لَبِسَتِ الْأَرْوَاحُ هَذِهِ الْأَجْسَامَ التُّرَابِيَّةَ حُجِبَتْ بِالْكَثَافَةِ وَبِالسَّبَبِ الْمُوجِبِ لِلذَّنْبِ.
فَالصُّورَةُ النُّورِيَّةُ الَّتِي نَرَاهَا الْآنَ هِيَ ذَاتُهَا الصُّورَةُ الْأَنْزَعِيَّةُ الْعَلَوِيَّةُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ لَا فِي الْجِنْسِ وَالْمَنْظَرِ كَمَا تَقَدَّمَ مِن قَوْلِ الْعُلَمَاءِ فِي رَدِّهِمْ عَلَى الشَّيْخِ أَحْمَدِ نَسَبٍ، وَلِأَنَّ الْبَارِيَ سُبْحَانَهُ لَا يَظْهَرُ بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَآنٍ وَاحِدٍ كَظُهُورِهِ لِعَالَمِ الْبَشَرِ فِي آخِرِ الْقِبَابِ بِأَنْزَعَ بَطِينٍ وَظُهُورِهِ فِي السَّمَاءِ بَاقٍ وَهَذَا اخْتِلَافٌ فِي الرُّؤْيَةِ عِنْدَ الْعَالَمِ الْبَشَرِيِّ فِي الْمَظْهَرَيْنِ لَا فِي الصُّورَةِ وَهَذَا مَعْنَى الْقَوْلِ: لَا فِي الْحَقِيقَةِ وَالْجَوْهَرِ،




