تَمْهِيدٌ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ لَهُ الطَّاعَةُ:
إِنَّ قِصَّةَ الْخَلْقِ شَغَلَتْ أَذْهَانَ النَّاسِ مُنْذُ بَدْءِ وُجُودِهِمْ عَلَىٰ هَٰذِهِ الْأَرْضِ فَالْإِنْسَانُ عِنْدَمَا يُولَدُ وَيَنْمُو فِي مَرَاحِلِ مَا فَطَرَهُ الله عَلَيْهِ مِنْ طُفُولَةٍ وَشَبَابٍ وَكُهُولَةٍ تَنْشَطُ عِنْدَهُ حَوَاسُّ الْإِدْرَاكِ بِالتَّعَرُّفِ عَلَىٰ الْأَشْيَاءِ مِنْ حَوْلِهِ، فَيَزْدَادُ وَعْيُهُ وَتَتَّسِعُ مَعْرِفَتُهُ فِي حَيِّزِ مَا يَرَاهُ فِي بِيئَتِهِ، وَفِي مَرْحَلَةٍ مُبَكِّرَةٍ مِنْ حَيَاتِهِ وَبِفِطْرَتِهِ الَّتِي غَرَزَهَا الله فِيهِ تَبْدَأُ عِنْدَهُ التَّسَاؤُلَاتُ تَظْهَرُ عَلَىٰ سَاحَةِ شُعُورِهِ، عَنْ تِلْكَ الْمَوْجُودَاتِ عَلَىٰ اخْتِلَافِهَا وَمَا هُوَ سِرُّ وُجُودِهَا؟ وَمَنِ الَّذِي أَوْجَدَهَا عَلَىٰ تِلْكَ الْهَيْئَاتِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَمَا الْغَايَةُ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَىٰ تِلْكَ الصُّورَةِ الْبَدِيعَةِ، وَمَا سِرُّ اخْتِلَافِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ كَائِنَاتٍ حَيَّةٍ مَوْجُودَةٍ مَعَهُ فِي هَٰذِهِ الدَّارِ وَغَيْرِ ذَٰلِكَ مِمَّا يَخْطُرُ فِي الْبَالِ مِنْ تَساؤُلَاتٍ كَثِيرَةٍ وَكَثِيرَةٍ.
وَالسُّؤَالُ الْكَبِيرُ وَالْأَهَمُّ: مَنْ هُوَ الصَّانِعُ الصَّادِقُ لِيُخْبِرَنَا نَحْنُ عَالَمَ الْبَشَرِ عَنْ مُبْتَدَأِ هَٰذَا الْخَلْقِ وَنِهَايَتِهِ وَتَنَوُّعِهِ، وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْجِنْسِ الْبَشَرِيِّ يَصْلُحُ لِذَٰلِكَ؟
نَقُولُ: كَلَّا، فَالْإِنْسَانُ عَاجِزٌ عَنْ بُلُوغِ غَايَةٍ مِنْ غَايَاتِ هَٰذَا الْأَمْرِ حَيْثُ الْوَاقِعُ يَشْهَدُ عَلَىٰ عَجْزِهِ وَالْأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ، نَذْكُرُ مِنْهَا: هُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ مُحْتَاجٌ لِلتَّعَلُّمِ حَتَّىٰ فِي أَبْسَطِ أُمُورِ حَيَاتِهِ، وَكَذَٰلِكَ مِنْ عَلَامَاتِ عَجْزِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِ وُجُودِهِ شَيْئاً،




