مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

قِصَّةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَالْهُبُوطِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا - غَسَّانُ عَجُوز

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 84 من 320

وَلَوْ كَانَتِ الصُّورَةُ غَيْرَهُ تَعَالَى لَكَانَ هو المُحْتَاجُ إِلَيْهَا لِيَظْهَرَ بِهَا لِمَخْلُوقَاتِهِ وَلَيْسَ هُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهَا، وَلَكَانَتْ مَعْرِفَتُهُمْ لِلصُّورَةِ الْمُحْدَثَةِ الَّتِي هِيَ غَيْرُ الله وَلَمْ يَعْرِفُوا الله تَعَالَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ يَنْفُونَهَا بِظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ الْبَارِي عَنْهَا وَنَفْيُهُمْ لَهَا يُبْطِلُ حَاجَتَهُمْ إِلَيْهَا، وَلَا مَعْنَى لِوُجُودِهَا، وَالْقَوْلُ بِهَذَا أَيْضًا هِيَ قَوْلُ الْمُلْحِدِينَ وَالْمُعْتَزِلَةِ الْمَلَاعِينِ وَجَمِيعِ الْكَفَرَةِ الْمُنْكِرِينَ لِوُجُودِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْكَارِهِمْ لَهُ أَنَّهُ إِلَهُ الْعَالَمِينَ، وَاعْتِقَادُهُمْ بِهِ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِثْلُهُمْ كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الدِّينِ فِي رِسَالَتِهِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ قَوْلُهُ: «وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ أَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِثْلُهُمْ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلَّ حَاجَةٍ تُنْفى كَحَاجَةِ الْمَخْلُوقِ لِلْخَالِقِ».

فَالصُّورَةُ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمَخْلُوقُ لَا يُرَادُ بِهَا هُنَا الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ الْجَوْهَرِيَّةُ الْأَنْزَعِيَّةُ اعْتِمَادًا مِنَّا عَلَى قَوْلِ شَيْخِ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ لِأَنَّ وُجُودُهَا أَزَلِيٌّ قَدِيمٌ وَهِيَ ذَاتُهُ تَعَالَى وَهَذَا يَصُحِّحُ الْمَعْنَى وَالْمَفْهُومُ لِمَعْنَى صُورَةِ الْحَاجَةِ وَمَا يَحْتَاجُهُ الْمَخْلُوقُ فِي مَعْرِفَةِ خَالِقِهِ، وَهَذَا أَيْضًا ثَابِتٌ فِي الرِّسَالَةِ كَمَا ظُهُورُهُ فِي الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ لِمُؤَانَسَةِ الْخَلْقِ، فَالْمُؤَانَسَةُ هُنَا هِيَ حَاجَةُ الْمَخْلُوقِ، وَكَذَلِكَ إِظْهَارُهُ تَعَالَى الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ الدَّالَّتَانِ عَلَى ذَاتِهِ الْعَلِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ كَذَلِكَ هِيَ حَاجَةٌ وَضَرُورَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْخَالِقِ بِذَاتِهِ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِ وَهُمَا مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَلَيْسَا هُمَا غَيْرَهُ وَهُمَا قَبْلَ الْخَلْقِ عَلَى عَكْسِ الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ لِأَنَّ الْعِلْمَ وَالْقُدْرَةَ صِفَاتٌ إِلَهِيَّةٌ بِدونِهِما تُنْفى أُلُوهِيَّةَ الشَّيْءِ وَبِهِمَا تُثْبَتُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُعْرَفُ بِخَلْقِهِ بَلْ خَلْقُهُ يَعْرِفُونَهُ بِهِ تَعَالَى.

الصفحة 84 من 320