وَقَدْ أَكَّدَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ وَأَقَرَّهَا شَيْخُ الدِّينِ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ بِقَوْلِهِ: «وَهُوَ أَجَلُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ أَوْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ، وَلَكِنَّهُ أَظْهَرَهَا إِينَاسًا لِخَلْقِهِ وَرِفْقًا بِهِمْ وَلُطْفًا بِهِمْ».
وَأَمَّا الْقَوْلُ: كَيْفَ صَارَتْ لَهُ صُورَةٌ وَجَوَابُ الْعَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ قَوْلُهُ: لِحَاجَةِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَيْهَا، ظَاهِرُ هَذَا النَّصِّ يَجْعَلُ الْقَارِئَ لَهُ يَفْهَمُ مِنْهُ ظَنَّاً بِهِ: أَنْ لَيْسَ لِلْبَارِي صُورَةٌ وَلَيْسَ هُوَ صُورَةً فِي وُجُودِهِ الْحَقِيقِيِّ، وَإِنَّمَا صَارَتْ بَعْدَ الْخَلْقِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا.
فَمَنْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ شَيْخِ الدِّينِ فِي شَيْءٍ لِأَنَّهُ رِضْوَانُ الله عَلَيْهِ أَقَامَ مَذْهَبَهُ بِالْحَقِّ عَلَى مَعْرِفَةِ الصُّورَةِ أَنَّهَا الذَّاتُ الْأَحَدِيَّةُ، وَأَنَّهَا قَدِيمَةٌ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ وَهِيَ قَبْلَ الْمَخْلُوقَاتِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ لَنَا مِثَالُ هَذَا الْقَوْلِ وَلكِنُ نَذْكُرُهُ لِنُذَكِّرَ بِهِ مَنْ قَدْ نَسِيَهُ، وَنَقُولُ: لَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لِمَا يَظُنُّونَ بِأَنَّ الصُّورَةَ الْمَرْئِيَّةَ صَارَتْ بَعْدَ الْخَلْقِ لِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهَا لَكَانَتْ مُحْدَثَةً وَبِتَعْبِيرٍ آخَرَ لَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ مُحْدَثًا لِأَنَّهُ هُوَ هَذِهِ الصُّورَةُ الْمَرْئِيَّةُ ذَاتُهَا، وَلَكَانَ الْمَعْرُوفُ غَيْرَ الله وَالْمَعْبُودُ سِوَاهُ.




