وَأَمَّا قَوْلُهُ عَزَّ عِزُّهُ: ثُمَّ لَا حِجَابَ، فَهُوَ إِظْهَارُهُ الْمُعْجِزَ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَهُمَا عَلَامَتَا التَّمَيُّزِ عَنِ الْخَلْقِ بِأَنَّهُ هو الخَالِقُ الظَّاهِرُ لَهُمْ بِتِلْكَ الْحُجُبِ الزَّائِلَةِ عَنْهُ حَقِيقَةً وَهِيَ لَيْسَتْ فِيهِ أَوْ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ وَلَيْسَ هُوَمِنْ جِنْسِهِمْ، وَإِنْ كَانَ تَعَالَى ظَاهِرًا عَلَى مِثَالِهِمْ وَأَظْهَرَ عَلَى نَفْسِهِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَجْزِ كَالثَّلَاثِ خَمَسَاتٍ وَهِيَ حَاجَةُ الْمَخْلُوقِينَ لِلْمُؤَانَسَةِ.
وَإِذَا مَا تَدَبَّرَ الْإِنْسَانُ حِكْمَةَ الْبَارِي مِنْ إِظْهَارِهِ الْعَجْزَ عُلِمَ أَنَّ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ الْعَجْزِ قُدْرَةٌ أَيْضًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ الْعَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ: أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَعْتَبِرُ الْعَجْزَ قُدْرَةً، وَجَاءَ فِي الْحُجَبِ وَالْأَنْوَارِ عَنِ الْحَكِيمِ عَزَّ عِزُّهُ: أَنَّ الْعَجْزَ مِنَ الْقَادِرِ قُدْرَةٌ، لِأَنَّ الْقَادِرَ يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالْعَاجِزُ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِظْهَارِ الْقُدْرَةِ.
فَإِذَا عَرَفَ الْمُؤْمِنُ هَذَا تَزْكو نَفْسُهُ بِهَذِهِ الْمَعْرِفَةِ لِسُلُوكِ صِرَاطِ الْحَقَائِقِ الْإِلَهِيَّةِ فَيَسْتَقِرُّ يَقِينُهُ بِالله، فَيَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ: أَنَّ الْبَارِي تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَجْزِ وَمُرْتَفِعٌ عَنْ تِلْكَ الْحُجُبِ الَّتِي آنَسَ الْخَلْقَ بِهَا، لِأَنَّ مَنْ يُحْيِي الْمَوْتَى لَا يَمُوتُ، وَمَنْ يَرُدُّ الشَّمْسَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَيْهِ، وَفِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا يُلْزِمُ الْعَاقِلَ الْإِقْرَارُ بِهِ، وَهَذَا فِي مَعْنَى قَوْلِ الْعَالِمِ عَزَّ عِزُّهُ: ثُمَّ لَا حِجَابَ.




